Ads 468x60px

اشهار

الأربعاء، 2 يوليو 2014

الف ليلة و ليلة 6 حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان (1\2)

 

حكاية الملك قمر الزمان ابن الملك شهرمان (1\2)
وفي الليلة الأولى بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان ملك يسمى شهرمان صاحب عسكر وخدم وأعوان إلا أنه كبر سنه ورق عظمه لم يرزق بولد فتفكر في نفسه وحزن وقلق وشكا ذلك لبعض وزرائه وقال: إني أخاف إذا مت أن يضيع الملك لأنه ليس لي ولد يتولاه بعدي، فقال له الوزير: لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً فتوكل على الله أيها الملك وتوضأ وصل ركعتين ثم جامع زوجتك لعلك تبلغ مطلوبك، فجامع زوجته فحملت في تلك الساعة ولما كملت أشهرها وضعت ولداً ذكراً كانه البدر السافر في الليل العاكر فسماه قمر الزمان وفرح غاية الفرح وزينوا المدينة سبعة أيام ودقت الطبول وأقبلت العشائر وحملته المراضع والدايات وتربى في العز والدلال حتى صار له من العمر خمس عشر سنة وكان فائقاً في الحسن والجمال والقد والإعتدال وكان أبوه يحبه ولا يقدر أن يفارقه ليلاً ولا نهاراً فشكا الملك شهرمان لأحد وزرائه فرط محبته لولده وقال: أيها الوزير لإني خائف على ولدي قمر الزمان من طوارق الدهر والحدثان وأريد أن أزوجه في حياتي. فقال له الوزير: اعلم أيها الملك إن الزواج من مكارم الأخلاق ولا بأس إن تزوج ولدك في حياتك فعند ذلك قال الملك شهرمان: علي بولدي قمر الزمان فحضر وأطرق رأسه إلى الأرض حياء من أبيه فقال له أبوه: يا قمر الزمان اعلم أني اريد أن أزوجك وأفرح بك في حياتي، فقال له: اعلم يا أبي أنني ليس لي في الزواج وليست نفسي تميل إلى النساء لأني وجدت في مكرهن كتباً بالروايات وبكيدهن وردت الآيات وقال الشاعر:
                   فإن تسألوني بالنساء فإنـنـي       خبير بأحوال النسـاء طـيب
                   إذا شاب رأس المرء وقل ماله     فليس له في ودهن نصـيب
و لما فرغ من شعره قال: يا أبي إن الزواج شيء لا أفعله أبداً، فلما سمع السلطان شهرمان من ولده هذا الكلام اغتم غماً شديداً إلى عدم مطاوعة ولده قمر الزمان له. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان لما سمع من ولده هذا الكلام صار الضياء في وجهه ظلاماً واغتم على عدم مطاوعة ولده قمر الزمان له ومن محبته له لم يكرر عليه الكلام في ذلك ولم يغضبه بل أقبل عليه وأكرمه ولاطفه بكل ما يجلب المحبة إلى القلب، كل ذلك وقمر الزمان يزداد في كل يوم حسناً وجمالاً وظرفاً ودلالاً فصبر الملك شهرمان على ولده سنة كاملة حتى صار كامل الفصاحة والملاحة وتهتكت في حسنه الوري وصار فتنة للعشاق وروضة للمشتاق عذب الكلام يخجل في وجهه بدر التمام صاحب قد واعتدال وظرف ودلال كانه غصن بان أو قضيب خيزران ينوب خده عن شقائق النعمان وقده عن غصن البان ظريف الشمائل كما قال فيه القائل:
              بدا فقالوا تـبـارك الـلـه        جل الذي صاغـه وسـواه
              مليك كل الملاح قـاطـبة       فكلهم أصبحـوا رعـاياه
              في ريقه شـهـدة مـذوبة       وانعقد الدار فـي ثـنـاياه
              مكملاً بالجمال مـنـفـرداً       كل الورى في جماله تاهوا
              قد كتب الحسن فوق وجنته    أشهد أنلا ملـيح إلا هـو
فلما تكاملت سنة أخرى لقمر الزمان ابن الملك شهرمان دعاه والده إليه وقال له: يا ولدي أما تسمع مني؟ فوقع قمر الزمان على الأرض بين يدي أبيه هيبة واستحى منه وقال له: يا أبي كيف لا أسمع منك وقد أمرني الله بطاعتك وعدم مخالفتك، فقال له الملك شهرمان: اعلم يا ولدي إني أريد أن أزوجك وأفرح بك في حياتي وأسلطنك في مملكتي قبل مماتي فلما سمع قمر الزمان من أبيه هذا الكلام أطرق رأسه وقال: يا أبي هذا شيء لا أفعله أبداً ولو سقيت كأس الردى وانا أعلم أن الله فرض علي طاعتك فبحق الله عليك لا تكلفني أمر الزواج ولا تظن أني اتزوج طول عمري لأنني قرأت في كتب المتقدمين والمتأخرين وعرفت ما جرى لهم من المصائب والآفات بسبب فتن النساء ومكرهن غير المتناهي وما يحدث عنهن من الدواهي وما أحسن قول الشاعر:
                  إن النساء وإن ادعين العـفة         رمم تقلبها النسور الـحـوم
                  في الليل عندك سرها وحديثها       وغداً لغيرك ساقها والمعصم
                  كالخان تسكنه وتصبح راحلاً        فيحل بعدك فيه من لا تعلـم
فلما سمع شهرمان من ولده قمر الزمان هذا الكلام وفهم الشعر والنظام لم يرد عليه جواباً من فرط محبته وزاد في إنعامه وإكرامه وانفض ذلك المجلس من تلك الساعة، وبعد انفضاض المجلس طلب شهرمان وزيره واختلى به وقال له: أيها الوزير. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قال لوزيره: قل لي مالذي أفعله في قضية ولدي قمر الزمان؟ فإني استشرتك في زواجه قبل أن أسلطنه فأشرت علي بذلك وأشرت علي أيضاً أن أذكر له أمر الزواج فذكرته له فخالفني فأشر علي الآن بما تراه حسناً؟ فقال الوزير: الذي أشير به عليك الان أيها الملك أن تصبر عليه سنة أخرى فإذا أردت أن تكلمه بعدها في أمر الزواج فلا تكلمه سراً ولكن حدثه في يوم حكومة يكون جميع الأمراء والوزراء حاضرين وجميع العساكر واقفين فإذا اجتمع هؤلاء فأرسل إلى ولدك قمر الزمان في تلك الساعة وأحضره فإذا حضر فخاطبه في أمر الزواج بحضرة جميع الأمراء والوزراء والحجاب والنواب وأرباب الولة والعساكر وأصحاب الصولة فإنه يستحي منهم وما يقدر أن يخالفك بحضرتهم.
فلما سمع الملك شهرمان من وزيره هذا الكلام فرح فرحاً شديداً واستصوب رأي الوزير في ذلك وخلع عليه خلعة سنية فصبر الملك شهرمان على ولده قمر الزمان سنة كاملة وكلما مضى عليه يوماً من الأيام يزداد حسناً وجمالاً وبهجةً وكمالاً حتى بلغ من العمر قريباً عشرين عاماً وألبسه الله حلل الجمال وتوجه بتاج الكمال وأشرقت خدوده بالإحمرار وبياض غرته حكى القمر الزاهر وسواد شعره كأنه الليل العاكر وخصره أرق من خيط هميان وردفه أثقل من الكثبان تهيج البلابل على أعطافه ويشتكي خصره من ثقل أردافه ومحاسنه حبرت الورى كما قال فيه بعض الشعراء:
وبأسهم قد راشها من سـحـره
              وبلين عطفه ومرهف لحـظـه           وبياض غرته وأسود شـعـره
              وبحاجب حجب الـكـرى عـن          صبه وسطا عليه بنهيه وبأمـره
              وعقارب قد أرسلت من صدغـه        وسمعت لقتل العاشقين بهجـره
              وبـورد خـديه وآس عــذاره            وعقيق مبسمه ولؤلـؤ ثـغـره
              وبطيب نكهتـه وسـال جـرى            في فيه يزري بالرحيق وعصره
              وبردفه المرتج في حـركـاتـه           وسكونه وبرقة في خـصـره
              وبجود راحته وصدق لـسـانـه          وبطيب عنصره وعالي قـدره
              ما المسك إلا من فضالة خـالـه         والطيب يروي ريحه عن شعره
              وكذلك الشمس المـنـيرة دونـه          ورأى الهلال قلامة من ظفـره
ثم إن الملك شهرمان سمع كلام الوزير وصبر سنة أخرى حتى حصل يوم موسم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان دعى الأمراء والوزراء والحجاب وأرباب الدولة والعساكر وأصحاب الصولة، ثم أرسل خلف ولده قمر الزمان فلما حضر قبل الأرض بين يديه ثلاث مرات ووقف مكتفاً يديه وراء ظهره قدام ابيه فقال له أبوه: يا ولدي إنني ما أحضرتك هذه المرة قدام هذا المجلس وجميع العساكر حاضرون بين أيدينا إلا لأجل أن أمرتك بأمر فلا تخالفني فيه وذلك أن تتزوج لأنني أشتهي أن أزوجك بنت ملك الملوك وأفرح بك قبل موتي. فلما سمع قمر الزمان من أبيه هذا الكلام أطرق برأسه إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلى أبيه ولحقه في تلك الساعة جنون الصبا وجهل الشبيبة فقال له: أما أنا فلا أتزوج أبداً ولو سقيت كأس الردى واما أنت فرجل كبير السن صغير العقل، إنك سألتني قبل هذا اليوم مرتين غير هذه المرة في شأن الزواج وانا لا اجيبك إلى ذلك، ثم إن قمر الزمان فك كتاف يديه وشمر عن زراعيه قدام أبيه وهو في غيظه فخجل أبوه واستحى حيث حصل ذلك قدام أرباب دولته والعساكر الحاضرين في الموسم. ثم إن الملك شهرمان لحقته شهامة الملك فصرخ على ولده فأرعبه وصرخ على المماليك وامرهم بإمساكه فأمسكوه وأمرهم أن يكتفوه فكتفوه وقدموه بين يدي الملك وهو مطرق في رأسه من الخوف والوجل وتكلل وجهه وجبينه بالعرق واشتد به الحياء والخجل، فعند ذلك شتمه ابوه وسبه وقال له: ويلك يا ولد الزنا وتربية الخنا كيف يكون هذا جوابك لي بين عساكري وجيوشي؟ ولكن إلى الآن ما أدبك أحد. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قال لولده قمر الزمان: اما تعلم أن هذا الأمر الذي صدر منك لو صدر عن عامي من العوام لكان ذلك قبيحاً منه، ثم إن الملك أمر المماليك أن يحلوا أكتافه ويحبسوه في برج من أبراج القلعة، فعند ذلك دخل الفراشون القاعة التي فيها البرج فكنسوها ومسحوا بلاطها ونصبوا فيها سرير قمر الزمان وفرشوا له على السرير طراحة ونطعاً ووضعوا له مخدة وفانوساً كبيراً وشمعة لأن ذلك المكان كان مظلماً في النهار، ثم إن المماليك أدخلوا قمر الزمان في تلك القاعة وجعلوا على باب القاعة خادماً، فعند ذلك طلع قمر الزمان فوق ذلك السرير وهو منكسر الخاطر حزين الفؤاد وقد عاتب نفسه وندم على ما جرى منه في حق أبيه حيث لا ينفعه الندم وقال: خيب الله الزواج والبنات والنساء الخائنات، فيا ليتني سمعت من والدي وتزوجت فلو فعلت ذلك كان أحسن لي من هذا السجن. هذا ما كان من أمر قمر الزمان.
وأما ما كان من أمر أبيه فإنه أقام على كرسي مملكته بقية اليوم إلى وقت الغروب، ثم خلا بالوزير وقال له: اعلم أيها الوزير أنك كنت السبب في الذي جرى بيني وبين ولدي كله حيث أشرت علي بما أشرت فما الذي تشير به علي الآن؟ فقال له الوزير: أيها الملك دع ولدك في السجن مدة خمسة عشر يوماً ثم احضره بين يديك وأمره بالزواج فإنه لا يخالفك أبداً. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قبل رأي الوزير في ذلك اليوم ونام تلك الليلة وهو مشتغل القلب على ولده لأنه كان يحبه محبة عظيمة حيث لم يكن له سواه، وكان الملك شهرمان كل ليلة لا يأتيه نوم حتى يجعل ذراعه تحت رقبة قمر الزمان وينام، فبات الملك الليلة وهو متشوش الخاطر من أجله وصار يتقلب من جنب إلى جنب كأنه نائم على جمر اللظى ولحقه الوسواس ولم يأخذه نوم في تلك الليلة بطولها وذرغت عيناه بالدموع وأنشد قول الشاعر:
                  لقد طال ليلي والوشاة هجـوع         وناهيك قلباً بالفـراق مـروع
                 أقول وليلي زاد بالهم طـولـه          أما لك يا ضوء الصباح رجوع
وقال آخر:
                 لما رأيت النجم ساه طـرفـه          والقلب قد ألقى عليه سباتـا
                 وبنات نعش في الحداد سوافرا        أيقنت أن صباحه قد مـاتـا
هذا ما كان من أمر الملك شهرمان، واما ما كان من امر قمر الزمان فإنه لما قدم عليه الليل قدم له الخادم الفانوس وأوقدوا له شمعة وجعلها في شمعدان وقدم له شيئاً من المأكل فأكل قليلاً وصار يعاتب نفسه حيث أساء الأدب في حق أبيه الملك شهرمان وقال في نفسه: ألم تعلم أن ابن آدم رهين لسانه وأن لسان الآدمي هو الذي يوقعه في المهالك؟ ولم يزل يعاتب نفسه ويلومها حتى غلبت عليه الدموع واحترق قلبه المصدوع وندم على ما خرج من لسانه في حق الملك غاية الندم وأنشد هذين البيتين:
          يموت الفتى من عثرة في لسـانـه         وليس يموت المرء من عثرة الرجل
          فعثرته من فيه تقضي بـحـتـفـه           وعثرته بالرجل تبرأ على مـهـل
ثم إن قمر الزمان لما فرغ من الأكل والشرب طلب أنيغسل يديه فغسل من الطعام وتوضأ وصلى المغرب والعشاء وجلس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان ابن الملك شهرمان جلس على السرير يقرأ القرآن فقرأ سورة البقرة وآل عمران ويس والرحمن وتبارك والملك والمعوذتين وختم الدعاء واستعان بالله ونام على السرير فوق طراحة من الأطلس المعدن لها وجهان وهي محشوة بريش النعام، وحين أراد النوم تجرد من ثيابه وخلع لباسه ونام في قميص شمع رفيع وكان على رأسه مقنع مروزي أزرق فصار قمر الزمان في تلك الليلة كأنه البدر في ليلة أربعة عشر، ثم تغطى بملاءة من حرير ونام والفانوس موقد تحت رجليه والشمعة موقدة تحت رأسه ولم يزل نائماً إلى ثلث الليل ولم يعلم ما خبئ له في الغيب وما قدر عليه علام الغيوب، واتفق أنالقاعة والبرج كانا عتيقين مهجورين مدة سنين كثيرة، وكان في تلك القاعة بئر روماني معمور بجنية ساكنة فيه وهي من ذرية إبليس اللعين واسم تلك الجنيهة ميمونة ابنة الدمرياطاحد ملوك الجان المشهورين. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن اسم تلك الجنية ميمونة ابنة الدمرياط أحد ملوك الجان المشهورين فلما استمر قمر الزمان نائماً إلى ثلث الليل طلعت له تلك العفريتة من البئر الروماني وقصدت السماء لاستراق السمع فلما صارت في أعلى البئر رأت نوراً مضيئاً في البرج على خلاف العادة وكانت العفريتة مقيمة في ذلك المكان مدة مديدة من السنين فقالت في نفسها: أنا ما عهدت هنا شيئاً من ذلك وتعجبت من هذا الأمر غاية العجب وخطر ببالها أنه لا بد لذلك من سبب ثم قصدت ناحية ذلك النور فوجدته خارجاً من القاعة فدخلتها ووجدت الخادم نائماً على بابها. ولما دخلت القاعة وجدت سريراً منصوباً وعليه هيئة إنسان نائم وشمعة مضيئة عند رأسه وفانوس مضيء عند رجليه فتعجبت العفريتة ميمونة من ذلك النور وتقدمت إليه قليلاً قليلاً وأرخت أجنحتها ووقفت على السرير وكشفت الملاءة عن وجهه ونظرت إليه واستمرت باهتة في حسنه وجماله ساعة رومانية وقد وجدت ضوء وجهه غالباً على نور الشمعة وصار وجهه يتلألأ نوراً وقد غارت عيناه واسودت مقلتاه واحمر خداه وفتر جفناه وتقوس حاجباه وفاح مسكه العاطر كما قال فيه الشاعر:
              قبلته فاسودت المقـل الـتـي          هي فتنتني واحمرت الوجنات
              يا قلب إن زعم العـواذل أنـه        في الحسن يوجد مثله قل هاتوا
فلما رأته العفريتة ميمونة بنت الدمرياط سبحت الله وقالت: تبارك الله أحسن الخالقين وكانت تلك العفريتة من الجن المؤمنين فاستمرت ساعة وهي تنظر إلى وجه قمر الزمان وتوحد الله وتغبطه على حسنه وجماله وقالت في نفسها والله إني لا أضره ولا أترك احداً يؤذيه ومن كل سوء سوف افديه فإن هذا الوجه المليح لا يستحق إلا النظر إليه والتسبيح ولكن كيف هان على أهله حتى نسوه في هذا المكان الخرب فلو طلع له أحد من مردتنا في هذه الساعة لأعطبه ثم إن تلك العفريتة مالت عليه وقبلته بين عينيه وبعد ذلك أرخت الملاءة على وجهه وغطته بها وفتحت أجنحتها وطارت ناحية السماء وطلعت من دور تلك القاعة وصعدت ولم تزل صاعدة في الجو إلى أنقربت من سماء الدنيا وإذا بها سمعت خفق أجنحة طائرة في الهواء فقصدت ناحية تلك الجنحة. فلما قربت من صاحبها وجدته عفريتاً يقال له دهنش فانقضت عليه انقضاض الباشق فلما أحس بها دهنش وعرف أنها ميمونة بنت ملك الجن خاف منها وارتعدت فرائصه واستجار بها وقال لها: أقسم عليك بالاسم الأعظم والطلسم الأكرم المنقوش على خاتم سليمان أن ترفقي بي ولا تؤذيني، فلما سمعت ميمونة من دهنش هذا الكلام حن قلبها عليه وقالت له: إنك أقسمت علي بقسم عظيم ولكن لا أعتقد حتى تخبرني من أين مجيئك في هذه الساعة؟ فقال لها: أيتها السيدة اعلمي أن مجيئي من آخر بلاد الصين ومن داخل الجزائر وأخبرك بأعجوبة رأيتها في هذه الليلة فإن وجدت كلامي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجن قال للجنية فإن وجدت كلامي صحيحاً فاتركيني أروح إلى حال سبيلي بخطك في هذه الساعة أني عشيقك في هذه الساعة حتى لا يعارضني أحد من رهط الجن الطيارة العلوية والسفلية والغواصة، قالت له ميمونة: فما الذي رأيته في هذه الليلة يا دهنش فاخبرني ولا تكذب علي وتريد بكذبك أن تنفلت من يدي وأنا أقسم لك بحق النقش المكتوب على فص خاتم سليمان بن داود عليه السلام إن لم يكن كلامك صحيحاً أنتفت ريشك بيدي ومزقت جلدك وكسرت عظمك فقال لها العفريت دهنش بن شمهورش الطيار: إن لم يكن كلامي صحيحاً فافعلي بي ما شئت يا سيدتي. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة العاشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن دهنشاً قال: خرجت في هذه الليلة من الجزائر الداخلة في بلاد الصين وهي بلاد الغيور صاحب الجزائر والبحور السبعة قصور فرأيت لذلك الملك بنتاً لم يخلق الله في زمانها أحسن منها ولا اعرف كيف أصفها لك ويعجز لساني عن وصفها كما ينبغي ولكن أذكر لك شيئاً من صفاتها على سبيل التقريب أما شعرها فكليالي الهجر وأما وجهها فكأيام الوصال وقد أحسن في وصفها من قال:
               نشرت ثلاث ذوائب من شعرها      في ليلة فأرت ليالي أربـعـا
               واستقبلت قمر السماء وجههـا        فأرتني القمرين في وقت معا
ولها أنف كحد السيف المصقول ولها وجنتان كرحيق الأرجوان ولها خد كشقائق النعمان وشفتاها كالمرجان والعقيق ورقها أشهى من الرحيق يطفئ مذاقه الحريق ولسانها يحركه عقل وافر وجواب حاضر ولها صدر فتنة لمن يراه فسبحان من خلقه وسواه ومتصل بذلك الصدر وعضدا من مرجان كما قال فيهما الشاعر الولهان:
               وزندان لولا أمسكا بـأسـاور       لسالا من الأكمام سيل الجداول
ولها نهدان كأنهما من العاج يستمد من إشراقهما القمران ولها بطن مطوية كطي القباطي المصرية وينتهي ذلك إلى خصر مختصر من وهم الخيال فوق ردف ككثيب من الرمال يقعدها إذا قامت ويوقظها إذا نامت كما قال فيه بعض واصفيه:
            لها كفل تعلق في ضعـيف            وذاك الردف لي ولها ظلوم
             فيوقفني إذا فـكـرت فـيه              ويقعدها إذا همت تـقـوم
يحمل ذلك الكفل فخذان كأنهما من الدر عمودان وعلى حمله ما أقدرهما إلا بركة الشيخ الذي بينهما وأما غير ذلك من الأوصاف فلا يحصيه ناعت ولا وصاف ويحمل ذلك كله قدمان لطيفتان صنعة المهيمن الديان فعجبت منهما وكيف كانا يحملان ما فوقهما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الحادية عشر بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العفريت دهنش ابن شمهورش قال للعفريتة ميمونة: وأما وراء ذلك فإني تركته لأنه تقصر عنه العبارة ولا تفي به الإشارة وأبو تلك الصبية ملك جبار فارس كرار يخوض بحار الأقطار في الليل والنهار لا يهاب الموت ولا يخاف القوت لأنه جائر ظلوم وقاهر غشوم وهو صاح جيوش وعساكر واقاليم وجزائر ومدن ودور واسمه الملك الغيور صاحب الجزائر والبحور والسبعة قصور وكان يحب ابنته هذه التي وصفتها لك حباً شديداً ومن محبته لها جلب أموال سائر الملوك وبنى لها بذلك سبعة قصور كل قصر من جنس مخصوص، القصر الأول من البلور والقصر الثاني من الرخام والقصر الثالث من الحديد الصيني، والقصر الرابع من الجزع والفصوص والقصر الخامس من الفضة والقصر السادس من الذهب، والقصر السابع من الجواهر وملأ السبعة قصور من أنواع الفرش الفاخرة وأواني الذهب والفضة وجمع الآلات من كل ما تحتاج إليه الملوك وأمر ابنته أن تسكن في كل قصر مدة السنة ثم تنقل منه إلى قصر غيره واسمها الملكة بدور. فلما اشتهر حسنها وشاع في البلاد ذكرها أرسل سائر الملوك إلى أبيها يخطبونها منه فزاودها في أمر الزواج فكرهت ذلك وقالت لأبيها: يا والدي ليس لي غرض في الزواج أبداً فإني سيدة وملكة أحكم على الناس ولا أريد رجلاً يحكم علي. وكلما امتنعت من الزواج زادت رغبة الخطاب فيها، ثم إن جميع ملوك جزائر الصين الجوانية أرسلوا إلى أبيها الهدايا والتحف وكاتبوه في أمر زواجها فكرر عليها أبوها المشاورة في أمر الزواج مراراً عديدة، فخالفته وغضبت منه وقالت له: يا أبي إن ذكرت لي الزواج مرة أخرى أخذت السيف ووضعت قائمه في الأرض ودبابه في بطني واتكأت عله حتى يطلع من ظهري وقتلت نفسي.
فلما سمع أبوها منها هذا الكلام صار الضياء في وجههظلام واحترق قلبه عليها غاية الإحتراق وخشي أن تقتل نفسها وتحير في أمرها وفي أمر الملوك الذين خطبوها منه، فقال لها: إن كان ولا بد من عدم زواجك فامتنعي من الدخول والخروج، ثم إن أباها أدخلها البيت وحجبها فيه، واستحفظ عليها عشر عجائز قهرمانات ومنعها من أنتذهب إلى السبع قصور وأظهر لها أنه غضبان عليها وأرسل يكاتب الملوك جميعهم وأعلمهم أنها أصيبت بجنون في عقلها ولها الآن سنة وهي محجوبة، ثم قال العفريت دهنش للعفريتة: وأنا يا سيدتي في كل ليلة فأنظرها وأتملى بوجهها وأقبلها بين عينيها ومن محبتي لها لا أضرها ولا أركبها لأن جمالها بارع وكل من رآها يغار عليها من نفسه. وأقسمت عليك يا سيدتي أن ترجعي معي وتنظري حسنها وجمالها وقدها واعتدالها وبعد هذا إن شئت أن تعاقبيني أو تأسريني فافعلي فإن الأمر أمرك والنهي نهيك، ثم إن العفريت دهنشاً أطرق رأسه إلى الأرض وخفض أجنحته إلى الأرض فقالت له العفريتة ميمونة بعد أن ضحكت من كلامه وبصقت في وجهه: أي شيء هذه البنت التي تقول عنها فما هي إلا قوارة بول فكيف لو رأيت معشوقي والله إن حسبت أن معك أمراً عجيباً أو خبراً غريباً، يا ملعون إني رأيت إنساناً في هذه الليلة لو رأيته ولو في المنام لنفلجت عليه وسالت ريالتك، فقال لها دهنش: وما حكاية هذا الغلام؟ فقالت له: اعلم يا دهنش أن هذا الغلام قد جرى له مثل ما جرى لمعشوقتك التي ذكرتها وأمره أبوه بالزواج مراراً عديدة فأبى، فلما خالف أباه غضب عليه وسجنه في البرج الذي أنا ساكنة فيه فطلعت في هذه الليلة فرأيته فقال لها دهنش: يا سيدتي أريني هذا الغلام لأنظر هل هو أحسن من معشوقتي الملكة بدور أم لا، لأني ما أظن أن يوجد في هذا الزمان مثل معشوقتي، فقالت له العفريتة: تكذب يا ملعون يا أنحس المردة وأحقر الشياطين فأنا أتحقق أنه لا يوجد لمعشوقي مثيل في هذه الديار. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية عشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العفريتة ميمونة قالت للعفريت دهنش: أنا أتحقق أنه لا يوجد لمعشوقي مثيل في هذه الديار فهل أنت مجنون حتى تقيس معشوقتك بمعشوقي؟ قال لها: بالله عليك يا سيدتي أن تذهبي معي وتنظري معشوقتي وأرجع معك وانظر معشوقك، فقالت له ميمونة: لا بد من ذلك يا ملعون لأنك شيطان مكار ولكن لا أجيء معك ولا تجيء معي إلا برهن فإن طلعتك معشوقتك التي أنت تحبها وتتغالى فيها أحسن من معشوقي الذي أحبه وأتغالى فيه فإن ذلك الرهان يكون لك وإن طلع معشوقي أحسن فإن ذلك الرهان يكون لي عليك. فقال لها العفريت دهنش: يا سيدتي قبلت منك هذا الشرط ورضيت به، تعالي معي إلى الجزائر فقالت له ميمونة إن موضع معشوقي أقرب من موضع معشوقتك وها هو تحتنا فانزل معي لتنظر معشوقي ونروح بعد ذلك إلى معشوقتك فقال لها دهنش: سمعاً وطاعة، ثم انحدرا إلى أسفل ونزلا في دور القاعة التي في البرج وأوقفت ميمونة دهنشاً بجانب السرير ومدت يدها ورفعت الملاءة عن وجه قمر الزمان ابن الملك شهرمان فسطع وجهه وأشرق ولمع وزرها فنظرته ميمونة والتفتت من وقتها إلى دهنش وقالت له أنظر يا ملعون ولا تكن أقبح مجنون فنحن بنات وبه مفتونات.
فعند ذلك التفت إليها دهنش واستمر يتامل فيه ساعة، ثم حرك رأسه وقال لميمونة: والله يا سيدتي إنك لمعذورة ولكن بقي شيء آخر وهو أن حال الأنثى غير حال الذكر وحق الله إن معشوقك هذا أشبه الناس بمعشوقتي في الحسن والجمال والبهجة والكمال وهما الاثنان كأنهما أفرغا في قالب الحسن سواء. فلما سمعت ميمونة من دهنش هذا الكلام صار الضياء في وجهها ظلاماً ولطمته بجناحها على رأسه لطمة قوية كادت أن تقضي عليه من شدتها وقالت له: قسماً بنور وجههو جلاله أن تروح يا ملعون في هذه الساعة وتحمل معشوقتك التي تحبها وتجيء بها إلى هذا المكان حتى نجمع بين الاثنين وننظرهما وهما نائمان بالقرب من بعضهما فيظهر لنا أيهما أحسن، وإن لم تفعل ما أمرتك به في هذه الساعة يا ملعون لأحرقتك بناري ورميتك بشرار أسراري ومزقتك قطعاً في البراري وجعلتك عبرة للمقيم والساري، فقال لها دهنش: يا سيدتي لك علي ذلك وأنا أعرف أن محبوبتي أحسن وأحلى ثم إن العفريت دهنشاً طار من وقته وساعته وطارت ميمونة معه من أجل المحافظة عليه فغابا ساعة زمانية ثم أقبل الاثنان وهما حاملان تلك الصبية وعليها قميص بندقي رفيع بطرازين من الذهب وهو مزركش ببدائع التطريزات وكتوب على رأس كميه هذه الأبيات:
             ثلاثة منعـتـهـا مـن زيارتـنـا           خوف الرقيب وخوف الحاسد الحنق
             ضوء الجبين ووسواس الحلي ومـا     حوت معاطفها من عنبـر عـبـق
             هب الجبين بفضل الكم تـسـتـره       والحلي تنزعه ما حـيلة الـعـرق
ثم إنهما نزلا بتلك الصبية ومدداه بجانب الغلام، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة عشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العفريت والعفريتة كشفا عن وجوه ثلاثين فكانا أشبه الناس ببعضهما فكأنهما توأمان أخوان منفردان وهما فتنة للمتقين كما قال لهما التاجر المبين:
                  أتحب لا تعشق مليحاً واحداً       تحتار فيه تدللاً وتـذلـلا
                  تحب الملاح جميعهم تلقاهم       إن صد هذا كان هذا مقبلا
وكان دهنش وميمونة ينظران إليهما فقال دهنش: إن معشوقتي أحسن، قالت له ميمونة: بل إنه أحسن، ويلك يا دهنش هل أنت اعمى اما تنظر إلى حسنه وجماله وقده واعتداله؟ فاسمع ما أقول، وإن كنت محباً صادقاً لمن تعشقها فقل فيها مثل ما أقول في محبوبي ثم إن ميمونة قبلت قمر الزمان قبلات عديدة وأنشدت هذه القصيدة:
                مالي وللاحـى عـلـيك يعـنـف           كيف السلو وأنت غصـن أهـيف
                لك مقلة كحلاء تنـفـث سـحـره          ما للهوى العذري عنها مـصـرف
                تركية الألحاظ تفعـل بـالـحـشـا          ما ليس يفعله الصقيل المـرهـف
                حملتني ثـقـل الـغـرام وإنـنـي           بالعجز عن حمل القميص لا ضعف
                وجدي عليك كما علمت ولوعـتـي       طبع وعشقي في هواك تـكـلـف
                لو أن قلبي مثل قلـبـك لـم أبـت         والجسم مني مثل خصرك منحـف
                ويلاه من قـمـر بـكـل مـلاحة           بين الأنام وكل حـسـن يوصـف
                قال العواذل في الهوى من ذا الـذ       أنت الكثيب به فقلت لهم صـفـوا
                يا قلبه القاسي تعـلـم عـطـفـه            من قده فعسى ترق وتـعـطـف
                لك يا أمير في الـمـلاحة نـاظـر         يسطو علي وحاجـب لا ينـصـف
                كذب الذي ظن المـلاحة كـلـهـا          في يوسف كم في جمالك يوسـف
                الجن تخشـانـي إذا قـابـلـتـهـا            وأنا إذا ألقـاك قـلـبـي يرجـف
                أتكلف الإعراض عـنـك مـهـابة         وإليك أصبو جهد مـا أتـكـلـف
                والشعر أسود والجبين مشـعـشـع        والطرف أحور والقوام مهفـهـف
فلما سمع دهنش شعر ميمونة في معشوقها طرب غاية الطرب وتعجب كل العجب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة عشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن دهنشاً قال: أنشدتيني فيمن تعشقينه هذا الشعر الرقيق مع أن بالك مشغول به ولكن أنا أبذل الجهد في إنشاد الشعر على قدر فكرتي ثم إن دهنشاً قام إلى معشوقته بدور وقبلها بين عينيها ونظر إلى العفرية ميمونة وإلى معشوقته بدور وجعل ينشد هذه القصيدة وهو بلا شعور:
                     أفوت معاهدهم بـشـط الـوادي          فبقيت مقتولاً بـوسـط الـوادي
                     وسكرت من خمر الغرام ورقصت     عيني الدموع على غناء الحـادي
                     أسعى لأسعد بالوصال وحق لي       إن السعادة في بدور سـعـاد
                     لم أدر أي من الثلاثة أشتكـي           ولقد عددت فاصغ لـلأعـداد
                     من لحظها السياف أم من قدها         الرماح أم صدغهـا الـزراد
                     قالت وقد فتشت عنها كل مـن          لاقيته من حـاضـر وبـادي
                     أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه         ترني فقلت لها وأين فـؤادي
فلما فرغ من شعره قالت العفريتة: أحسنت يا دهنش ولكن أي هذين الاثنين أحسن؟ فقال لها: محبوبتي بدور أحسن من محبوبك، فقالت له: كذبت يا ملعون بل معشوقي أحسن من معشوقتك ثم إنهما لم يزالا يعارضان بعضهما في الكلام حتى صرخت ميمونة على دهنش وأرادت أن تبطش به فذل لها ورفق في كلامه وقال لها: لا يصعب عليك الحق فابطلي قولك وقولي فإن كلانا يشهد لمعشوقه أنه أحسن فنعرض عن كلام كل واحد منا ونطلب من يفصل الحكم بيننا بالإنصاف ونعتمد على قوله.
فقالت له ميمونة: وهو كذلك، ثم ضربت الأرض برجلها فطلع لها من الأرض عفريت أعور أجرب وعيناه مشقوقتان في وجهه بالطول وفي رأسه سبعة قرون وله أرب ذوائب من الشعر مسترسلة إلى الأرض ويداه مثل يدي القطرب له أظفار كأظفار الأسد ورجلان كرجلي الفيل وجوافر كحوافر الحمار فلما طلع ذلك العفريت ورأى ميمونة قبل الأرض بين يديها وتكتف وقال لها: ما حاجتك يا سيدتي يا بنت الملك؟ فقالت له: يا قشقش إني أريد أن تحكم بيني وبين هذا الملعون دهنش ثم إنها أخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعندها نظر العفريت قشقش إلى وجه ذلك الصبي ووجه تلك الصبية فرآهما متعانقين وهما نائمان ومعصم كل منهما تحت عنق الأخر وهما في الحسن والجمال متشابهان وفي الملاحة متساويان فنظر وتعجب المارد قشقش من حسنهما وجمالهما والتفت إلى ميمونة ودهنش بعد أن أطال إلى الصبي والصبية الإلتفات وأنشد هذه الأبيات:
               زر من تحب ودع مقالة حـاسـد           ليس الحسود على الهوى بمساعد
               لم يخلق الرحمن أحسن منـظـراً           من عاشقين على فـراش واحـد
               متعانقين عليهما حلـل الـرضـا             متوسدين بمعصـم وبـسـاعـد
               وإذا صفا لك من زمانـك واحـد            فهو المراد وعش بذاك الواحـد
               وإذا تألفت القلوب على الـهـوى           فالناس تضرب في حـديد بـارد
               يا من يلوم على الهوى أهل الهوى        هل يستطاع صلاح قلب فاسـد
               يا رب يا رحمن تحسن ختمـنـا            قبل الممات ولـو بـيوم واحـد
ثم إن العفريت قشقش التفت إلى ميمونة وإلى دهنش وقال لهما: والله ما فيهما أحد أحسن من الآخر ولا دون الآخر بل هما أشبه الناس ببعضهما في الحسن والجمال والبهجة والكمال، ولا يفرق بينهما إلا بالتذكير والتأنيث وعندي حكم أخر وهو أن ننبه كل واحد منهما من غير علم الأخر، وكل من التهب على رفيقه فهو دونه في الحسن والجمال، فقالت ميمونة: نعم هذا الرأي الذي قلته فأنا رضيته وقال دهنش وأنا رضيته، فعند ذلك انقلب دهنش في صورة برغوث ولدغ قمر الزمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة عشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن دهنشاً لدغ قمر الزمان في رقبته في موضع ناعم فمد قمر الزمان يده على رقبته وهرش موضع اللدغة من شدة ما أحرقته فتحرك بجنبه فوجد شيئاً قائماً بجنبه ونفسه أذكى من المسك وجسمه ألين من من الزبد فتعجب قمر الزمان من ذلك غاية العجب ثم قام من وقته قاعداً ونظر إلى ذلك الشخص الراقد بجانبه فوجده صبية كالدرة السنية أو القبة المبنية بقامة ألفية خماسية القدر بارزة النهد موردة الخد كما قال فيها بعض واصفيها:
                بدت قمراً وعادت غصن بان        وفاحت عنبراً ورنت غزالا
                كأن الحزن مشغوف بقلبـي           فساعة هجرها يجد الوصالا
 فلما رأى قمر الزمان السيدة بدور بنت الملك الغيور، وشاهد حسنها وجمالها وهي نائمة طوله ووجد فوق بدنها قميصاً بندقياً وهي بلا شروال وعليها كوفية من ذهب مرصعة بالجواهر وفي عنقها قلادة من الفصوص المثمنة لا يقدر عليها أحد من الملوك فصار مدهوش العقل من ذلك، ثم إنه حين شاهد حسنها تحركت فيه الحرارة الغريزية وألقى الله عليه شهوة الجماع وقال في نفسه: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ثم قلبها بيده ثاني مرة وفتح طوق قميصها فبان له بطنها ونظر إلى نهودها فازداد فيها محبة ورغبة فصار ينبهها وهي لا تنتبه، لأن دهنشاً ثقل نومها فصار قمر الزمان يهزها ويحركها ويقول: يا حبيبتي استيقظي وانظري من أنا فأنا قمر الزمان، فلم تستيقظ ولم تحرك رأسها، فعند ذلك تفكر في أمرها ساعة زمانية، وال في نفسه: إن صدق حذري فهذه الصبية هي التي يريد والدي زواجي بها، ومضى لي ثلاث سنين وأنا أمتنع من ذلك فإن شاء الله إذا جاء الصبح أقول لأبي: زوجني بها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة عشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان قال في نفسه: إن شاء الله إذا جاء الصبح أقول لأبي: زوجني بها ولا أترك نصف النهار يفوت حتى أفوز بوصلها وأتملى بحسنها وجمالها، ثم إن قمر الزمان مال إلى بدور ليقبلها فارتعدت ميمونة الجنية وخجلت، ثم إن قمر الزمان لما أراد أن يقبله في فمها استحى من الله، ولفت وجهه وقال في نفسه: أنا أصبر لئلا يكون والدي لما غضب علي وحبسني في هذا الموضع جاء لي بهذه العروسة وأمرها بالنوم جنبي ليمتحني بها، وأوصاها أني إذا نبهتها لا تستيقظ وقال لها أي شيء فعل بك قمر الزمان فاعلميني به وربما يكون والدي مستخفياً في مكان ما بحيث يطلع علي وأنا لا أنظره فينظر جميع ما أفعله بهذه الصبية وإذا أصبح يوبخني ويقول لي: كيف تقول لي مالي أرب في الزواج وأنت قبلت تلك الصبية وعانقتها، فأنا أكف نفسي عنها الليلة لئلا ينكشف أمري مع والدي فأنا لا ألمس الصبية من تلك الساعة ولا ألتفت لها غير أني آخذ لي منها شيئاً يكون أمارة عندي وتذكرة لها حتى يبقى بيني وبينها إشارة، ثم إن قمر الزمان رفع جريدة كفاح العمال الإشتراكي الصبية وأخذ خاتمها من خنصرها وهو يساوي حملة من المال لأن فصه من نفيس الجواهر ونقوش دائرته هذه الأبيات:
                      لا تحسبوا أني نسيت عهـودكـم          مهما أطلتم في الزمان صدودكم
                      يا سادتي جودوا علي تعطـفـاً            فعسى أقبل ثغركم وخـدودكـم
                      والله إني لست أبرح عـنـكـم             ولو أعديتم في الغرام حدودكـم
ثم إن قمر الزمان نزع ذلك الخاتم من خنصر الملكة بدور ولبسه في خنصره وأدار ظهره إليها وقام ففرحت ميمونة الجنية لما رأت ذلك وقالت لدهنش وقشقش: هل رأيتما محبوبي قمر الزمان وما فعله من العفة عن هذه الصبية؟ فهذا من كمال محاسنه فانظروا كيف رأى هذه الصبية وحسنها وجمالها ولم يعانقها ولم يلمس بيده عليها بل أدار ظهره إليها ونام فقالا لها: قد رأينا ما صنع من الكمال فعند ذلك انقلبت ميمونة وجعلت نفسها برغوثاً ودخلت ثياب بدور محبوبة دهنش ومشت على ساقها وطلعت على فخذها ومشت تحت سرتها مقدار أربعة قراريط ولدغتها ففتحت عينيها واستوت قاعدة فرأت شاباً نائماً بجانبها وهو يغط في نومه وله خدود كشقائق النعمان ولواحظ تخجل الحور الحسان وفم كأنه خاتم سليمان وريقه حلو المذاق وأنفع من الترياق كما قال فيه بعض واصفيه:
سلا خاطري عـن زينـب ونـوار
بوردة خـد فـوق آس عـــذار
واصبحت بالظبى المقرمط مغرمـاً
ولا أرى لي في عشق ذات سـوار
أنيسي في النادي وفي خلوتي معـاً
خلاف أنيسي فـي قـرارة داري
فيا لائمي في هجر هـنـد وزينـب
وقد لاح عذري كالمصباح المساري
أتـرضـى بـأن أمـسـي أسـيرة
محصـنة أو مـن وراء جـداري
ثم إن الملكة بدور لما رأت قمر الزمان أخذها الهيام والوجد والغرام وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة عشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملكة بدور قالت في نفسها: وافضيحتاه إن هذا شاب غريب لا أعرفه ما باله راقد بجانبي في فراش واحد؟ ثم نظرت إليه بعينيها وحققت النظر فيه وفي ظرفه ودلاله وحسنه وجماله ثم قالت: وحق الله أنه شاب مليح مثل القمر إلا أن كبدي تكاد أن تتمزق وجداً عليه وشغفاً بحسنه وجماله، فيا لفضيحتي منه والله لو علمت إن هذا الشاب هو الذي خطبني من أبي ما رددته بل كنت أتزوجه وأتملى بجماله، ثم إن الملكة بدور تطلعت من وقتها وساعتها في وجه قمر الزمان وقالت له: يا سيدي وحبيب قلبي ونور عيني انتبه من منامك وتمتع بحسني وجمالي، ثم حركته بيدها فأرخت عليه ميمونة الجنية النوم وثقلت رأسه بجناحها فلم يستيقظ قمر الزمان فهزته الملكة بدور بيديها وقالت له: بحياتي عليك أن تطيعني وانتبه من منامك وانظر النرجس والخضرة وتمتع ببطني والسرة وهارشني وناغشني من هذا الوقت إلى بكرة، قم يا سيدي واتكئ على المخدة ولا تنم، فلم يجبها قمر الزمان بجواب ولم يرد عليها خطاباً بل غط في النوم.
فقالت الملكة بدور: ما لك تائهاً بحسنك وجمالك وظرفك ودلالك فكما أنت مليح أنا الأخرى مليحة فما هذا الذي تفعله؟ هل هم علموك الصد عني أو أبي الشيخ النحس منعك من أنتكلمني في هذه الليلة؟ ففتح قمر الزمان عينيه فازدادت فيه محبة وألقى الله محبته في قلبها ونظرته نظرة أعقبتها ألف حسرة فخفق فؤادها وتقلقلت أحشاؤها واضطربت جوارحها وقالت لقمر الزمان: يا سيدي كلمني يا حبيبي يا معشوقي رد علي الجواب وقل لي: ما اسمك فإنك سلبت عقلي، كل ذلك وقمر الزمان مستغرق في النوم ولم يرد عليها بكلمة. فتأوهت الملكة بدور وقالت: ما لك معجباً بنفسك؟ ثم هزته وقبلت يده فرأت خاتمها في إصبعه الخنصر فشهقت وأتبعتها بغنجة وقالت: أوه.. أوه والله أنت حبيبي وتحبني ولكن كأنك تعرض عني دلالاً مع أنك جئتني وأنا نائمة وما أعرف كيف عملت أنت معي ولكني ما أنا قالعة خاتمي من خنصرك ثم فتحت جيب قميصه ومالته عليه وقبلت رقبته وفتشت على شيء تأخذه منه فلم تجد معه شيئاً ورأته بغير سروال فمدت يدها من تحت ذيل قميصه وجست سيقانه فزلقت يدها من نعومة جسمه وسقطت على عضوه فانصدع قلبها وارتجف فؤادها إلا أن شهوة النساء أقوى من شهوة الرجال وخجلت وخجلت ثم نزعت خاتمه من إصبعه ووضعته في إصبعها موضعاً عن خاتمها وقبلته في ثغره وقبلت كفه ولم تترك فيه موضعاً إلا قبلته وبعد ذلك أخذته في حضنها وعانقته ووضعت إحدى يديها تحت رقبته والأخرى من تحت إبطه ونامت بجانبه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة عشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد إن الملكة بدور نامت بجانب قمر الزمان وجرى ما جرى فلما رأت ذلك ميمونة فرحت غاية الفرح وقالت لدهنش: هل رأيت يا ملعون كيف فعلت معشوقتك من الوله بمعشوقي؟ وكيف فعل معشوقي من التيه والدلال فلا شك أن معشوقي أحسن من معشوقتك ولكن عفوت عنك، ثم كتبت له ورقة والتفتت إلى قشقش وقالت له: ادخل معه واحمل معشوقته وساعده على وصالها إلى مكانها لأن الليل مضى وفاتني مطلوبي، فتقدم دهنش وقشقش إلى الملكة بدور وخلا تحتها وحملاها وطارا بها وأوصلاها إلى مكانها واعاداها إلى فراشهاو اختلت ميمونة النظر إلى قمر الزمان وهو نائم حتى لم يبق من الليل إلا القليل ثم توجهت إلى حال سبيلها. فلما انشق الفجر انتبه قمر الزمان من منامه والتفت يميناً وشمالاً فلم يجد الصبية عنده فقال في نفسه: ما هذا الأمر كأن أبي يرغبني في الزواج بالصبية التي كانت عندي ثم أخذها سراً لأجل أن تزداد رغبتي في الزواج ثم صرخ على الخادم الذي هو نائم على الباب وقال له: ويلك يا مامون قم فقام الخادم وهو طائش العقل من النوم ثم قدم له الطشت والإبريق فقام قمر الزمان ودخل المستراح وقضى حاجته وخرج وتوضأ وصلى الصبح وجلس يسبح الله ثم نظر إلى الخادم فوجده واقفاً في خدمته بين يديه فقال له: ويلك يا صواب، من جاء هنا وأخذ الصبية من جنبي وانا نائم؟ فقال الخادم: يا سيدي أي شيء للصبية؟ فقال قمر الزمان: الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة، فانزعج الخادم من كلام قمر الزمان وقال له: لم يكن عندك صبية ولا غيرها ومن أين دخلت الصبية وأنا نائم وراء الباب وهو مقفول؟ والله يا سيدي ما دخل عليك لا ذكر ولا أنثى، فقال له قمر الزمان: تكذب يا عبد النحس وهل وصل من قدرك أنت الأخر أنك تخادعني، ولا تخبرني أين راحت هذه الصبية التي كانت نائمة عندي غي هذه الليلة ولم تخبرني بالذي أخذها من عندي؟ فقال الطواشي وقد انزعج منه: والله يا سيدي ما رأيت صبية ولا صبياً، فغضب قمر الزمان من كلام الخادم وقال له: إنهم علموك الخداع يا ملعون فتعالى عندي، فتقدم الخادم إلى قمر الزمان فأخذ بأطواقه وضرب به الأرض فضرط ثم برك عليه قمر الزمان ورفسه برجله وخنقه حتى غشي عليه ثم بعد ذلك ربطه في سلبة البئر وأدلاه فيه إلى أن وصل إلى الماء وأرخاه وكانت تلك الأيام برد وشتاء قاطع فغطس الخادم في الماء ثم نشله قمر الزمان وأرخاه، وما زال يغطس ذلك الخادم في الماء وينشله منه والخادم يستغيث ويصرخ ويصيح وقمر الزمان يقول له: والله يا ملعون ما أطلعك من هذه البئر حتى تخبرني بخبر هذه الجارية وقضيتها ومن الذي أخذها وأنا نائم؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة عشرة بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخادم قال لقمر الزمان: أنقذني من البئر يا سيدي وأنا أخبرك بالصحيح، فجذبه من البئر وأطلعه وهو غائب عن الوجود من شدة ما قاساه من الغرق والبرد والضرب والعذاب وصار يرتعد مثل القصبة في الريح العاصف واشتبكت أسنانه في بعضها وابتلت ثيابه بالماء فلما رأى الخادم نفسه على وجه الأرض قال له: دعني يا سيدي أروح وأقلع ثيابي وأعصرها وأنشرها في الشمس وألبس غيرها، ثم أحضر إليك سريعاً وأخبرك بأمر تلك الصبية وأحكي لك حكايتها. فقال قمر الزمان: والله يا عبد النحس لولا أنك عاينت الموت ما أقررت بالحق فاخرج لقضاء أغراضك وعد إلي بسرعة واحك لي حكاية الصبية وقصتها، فعند ذلك خرج الخادم وهو لا يصدق بالنجاة ولم يزل يجري إلى أن دخل على الملك شهرمان أبي قمر الزمان فوجد الوزير بجانبه وهما يتحدثان في أمر قمر الزمان فسمع الملك يقول للوزير: لإني ما نمت في هذه الليلة من اشتغال قلبي بولدي قمر الزمان وأخشى أن يجري له شيء في هذا الربج العتيق وما كان في سجنه شيء من المصلحة، فقال له الوزير: لا تخف عليه والله لا يصيبه شيء ودعه مسجوناً شهراً كاملاً حتى تلين عريكته. فبينما هما في الكلام وإذا بالخادم دخل عليهما وهو في تلك الحالة وقال له: يا مولانا السلطان إن ولدك حصل له جنونو قد فعل بي هذه الفعال، وقال لي: إن صبية باتت عندي في هذه الليلة وذهبت خفية فأخبرني بخبرها وأنا لا أعرف ما شأن هذه الصبية، فلما سمع السلطان شهرمان هذا الكلام عن ولده قمر الزمان صرخ قائلاً: واولداه، وغضب على الوزير الذي كان سبباً في هذه الأمور غضباً شديداً وقال له: قم اكشف لي خبر ولدي قمر الزمان، فخرج الوزير وهو يتعثر في أذياله من خوفه من الملك وراح مع الخادم إلى البرج وكانت الشمس قد طلعت فدخل الوزير على قمر الزمان فوجده جالساً على السرير يقرأ القرآن فسلم عليه الوزير وجلس إلى جانبه وقال له: يا سيدي إن هذا العبد النحس أخبرنا بخبر شوش علينا وأزعجنا فاغتاظ الملك من ذلك، فقال له قمر الزمان: أيها الوزير، وما الذي قاله لكم عني حتى شوش على أبي وفي الحقيقة هو ما شوش إلا علي، فقال له الوزير: إنه جاءنا بحالة منكرة وقال لنا قولاً حاشاك منه وكذب علينا بما لا ينبغي أن يذكر في شانك فسلامة شبابك وعقلك الرجيح ولسانك الفصيح وحاشى أنيصدر منك شيء قبيح، فقال له قمر الزمان: فأي شيء قال هذا العبد النحس فقال له الوزير: إنه أخبرنا أنك جننت وقلت له كان عندي صبية في الليلة الماضية، فهل قلت للخادم هذا الكلام؟ فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام اغتاظ غيظاً شديداً وقال للوزير: تبين لي أنكم علمتم الخادم الفعل الذي صدر منه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة العشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان ابن الملك شهرمان، قال للوزير: تبين لي أنكم منعتموه من أن يخبرني بأمر الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة وأنت أيها الوزير أعقل من الخادم فأخبرني في هذه الساعة أين ذهبت الصبية المليحة التي كانت نائمة في حضني في تلك الليلة فأنتم الذين أرسلتموها وأمرتموها أن تبيت في حضني ونمت معها إلى الصباح فلما انتبهت ما وجتها، فأين هي الآن؟ فقال الوزير: يا سيدي قمر الزمان اسم الله حواليك وإنا ما أرسلنا لك في هذه الليلة أحداً وقد نمت وحدك والباب مقفل عليك والخادم نائم من خلف الباب وما أتى إليك صبية ولا غيرها فارجع إلى عقلك يا سيدي ولا تشغل خاطرك، فقال له قمر الزمان وقد اغتاظ من كلامه: أيها الوزير: أيها الوزير إن تلك الصبية معشوقتي وهي المليحة صاحبة العيون السود والخدود الحمر التي عانقتها في هذه الليلة، فتعجب الوزير من كلام قمر الزمان وقال له: هل رأيت الصبية في هذه الليلة بعينك في اليقظة أو في المنام. فقال له قمر الزمان: يا أيها الشيخ النحس أتظن أني رأيتها بأذني إنما رأيتها بعيوني في اليقظة وقلبتها بيدي وسهرت معها نصف ليلة كاملة وأنا أتفرج على حسنها وجمالها وظرفها ودلالها وإنما انتم أوصيتموها أنها لا تكلمني فجعلت نفسها نائمة فنمت بجنبها إلى الصباحثم استيقظت من منامي فلم أجدها،فقال له الوزير: يا سيدي قمر الزمان ربما تكون رأيت هذا الأمر في المنام فيكون أضغاث أحلام أو تخيلات من أكل مختلف الطعام أو وسوسة الشياطين اللئام. فقال له قمر الزمان: يا أيها الشيخ النحس كيف تهزأ بي أنت الأخر وتقول لي لعل هذا أضغاث أحلام مع أن الخادم قد أقر بتلك الصبية وقال لي في هذه الساعة أعود إليك وأخبرك بقصتها؟ ثم إن قمر الزمان قام من وقته وتقدم إلى الوزير وقبض على لحيته في يده وكانت لحيته طويلة فأخذها قمر الزمان ولفها على يده وجذبه منها فرماه من فوق السرير وألقاه على الأرض فأحس الوزير أن روحه طلعت من شدة نتف لحيته وما زال قمر الزمان يرفس الوزير برجليه ويصفعه على قفاه بيديه حتى كاد أن يهلكه.
فقال الوزير في نفسه: إذا كان العبد الخادم خلص نفسه من هذا الصبي المجنون بكذبة فأنا أولى بذلك منه وأخلص نفسي أنا الآخر بكذبة وإلا يهلكني، فهاأنا أكذب وأخلص روحي منه فإنه مجنون ولا شك في جنونه، ثم إن الوزير التفت إلى قمر الزمان وقال له: يا سيدي لا تؤاخذني فإن والدك أوصاني أن أكتم عنك خبر هذه الصبية وأنا الآن عجزت وكليت من الضرب لأني بقيت رجلاً كبيراً وليس لي قوة تحمل الضرب فتمهل علي قليلاً حتى أحدثك بقصة الصبية. فعند ذلك منع عنه الضرب وقال له: لأي شيء لم تخبرني بخبر تلك الصبية إلا بعد الضرب والإهانة فقم أيها الشيخ النحس واحك لي خبرها، فقال له الوزير: هل أنت تسأل عن تلك الصبية صاحبة الوجه المليح والدقد الرجيح؟ فقال له قمر الزمان: نعم أخبرني أيها الوزير من الذي جاء بها إلي وأنامها عندي وأين هي في هذه السهاة حتى أروح إليها بنفسي؟ فإن كان أبي الملك شهرمان فعل معي هذه الفعال وامتحني بتلك الصبية المليحة من أجل زواجها فأنا رضيت أن أتزوج بها فإنه ما فعل معي هذا الأمر كله وولع خاطري بتلك الصبية، بعد ذلك حجبها عني إلا من أجل امتناعي من الزواج فهاأنا رضيت بالزواج، فأعلم والدي بذلك أيها الوزير وأشر إليه أن يزوجني بتلك الصبية فإني لا أريد سواها وقلبي لم يعشق إلا إياها، فقم وأسرع إلى أبي وأشر إليه بتعجيل زواجي ثم عد إلي قريباً في هذه الساعة، فما صدق الوزير بالخلاص من قمر الزمان حتى خرج من البرج وهو يجري إلى أن دخل على الملك شهرمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الحادية والعشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير خرج يجري من البرج إلى أن دخل على الملك شهرمان فلما دخل عليه قال له الملك: أيها الوزير ما لي أراك في ارتباك ومن الذي بشره رماك حتى جئت مرعوباً؟ فقال للملك: إني قد جئتك ببشارة، فقال الملك: وما تلك البشارة؟ قال له: اعلم أن ولدك قمر الزمان قد حصل له جنون، فلما سمع الملك كلام الوزير صار الضياء في وجهه ظلاماً وقال له: أيها الوزير أوضح لي صف جنون ولدي؟ قال له الوزير: سمعاً وطاعة، ثم أخبره بما صدر من ولده فقال الملك: أبشر أيها الوزير إني أعطيك في نظير بشارتك إياي بجنون ولدي ضرب رقبتك وزوال النعم عنك يا أنحس الوزراء وأخبث الأمراء لأني اعلم أنك سبب جنون ولدي بمشورتك ورأيك التعس الذي أشرت به علي في الأول والآخر والله إن كان ياتي على ولدي شيء من الضرر أو الجنون لأسمرنك على القبة وأذيقنك النكبة.
ثم إن الملك نهض قائماً على قدميه وأخذ الوزير معه ودخل به البرجالذي نزل فيه قمر الزمان فلما وصلا إليه قام قمر الزمان على قدميه لوالده ونزل سريعاً من فوق السرير الذي هو جالس عليه وقبل يديه ثم تأخر وراءه وأطرق رأسه إلى الأرض وهو مكتف اليدين قدام أبيه ولم يزل كذلك ساعة زمانية وبعد ذلك رفع راسه إلى والده وفرت الدموع من عينيه وسالت على خديه وأنشد قول الشاعر:
إن كنت قد أذنبت سالـفـاً
في حقكم وأتيت شيئاً منكراأنا تائب عما جنيت وعفوكم
يسع المسئ إذا أتا مستغفرا
فعند ذلك قام الملك شهرمان وعانق ولده قمر الزمان وقبله بين عينيه وأجلسه إلى جانبه فوق السرير، ثم التفت إلى الوزير بعين الغضب وقال له: يا كلب الوزراء كيف تقول على ولدي قمر الزمان ما هو كذا وكذا وترعب قلبي عليه؟ ثم التفت إلى ولده وقال له: يا ولدي ما اسم هذا اليوم؟ فقال له: يا والدي هذا اليوس السبت وغداً يوم الأحد وبعده الاثنين وبعده الثلاثاء وبعده الأربعاء وبعده الخميس وبعده الجمعة. فقال له الملك: يا ولدي قمر الزمان الحمد لله على سلامتك، ما اسم هذا الشهر الذي علينا بالعربي؟ فقال: اسمه ذو القعدة ويليه ذو الحجة وبعده المحرم وبعده صفر وبعده ربيع الأول وبعده ربيع الثاني وبعده جمادى الأولى وبعده جمادى الثانية وبعده رجب وبعده شعبان وبعده رمضان وبعده شوال. ففرح بذلك الملك فرحاً شديداً وبصق في وجه الوزير وقال له: يا شيخ السوء كيف تزعم أن ولدي قمر الزمان قد جن والحال أنه ما جن إلا أنت. فعند ذك حرك الوزير رأسه وأراد أن يتكلم ثم خطر بباله أن يتمهل قليلاً لينظر ماذا يكون ثم إن الملك قال لولده: يا ولدي أي شيء هذا الكلام الذي تكلمت به للخادم والوزير حيث قلت لهما: إني كنت نائماً أنا وصبية مليحة في هذه الليلة، فما شأن هذه الصبية التي ذكرتها؟ فضحك قمر الزمان من كلام أبيه وقال له: يا والدي اعلم أنه ما بقي لي قوة تتحمل السخرية فلا تزيدوا علي شيئاً ولا كلمة واحدة، فقد ضاق خلقي مما تفعلونه معي واعلم يا والدي أني رضيت بالزواج ولكن بشرط أن تزوجني تلك الصبية التي كانت نائمة عندي في هذه الليلة فإني أتحقق أنك أنت الذي أرسلتها إلي وشوقتني إليها وبعد ذلك أرسلت إليها قبل الصبح وأخذتها من عندي، فقال: اسم الله حواليك يا ولدي سلامة عقلك من الجنون. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والعشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان قال لولده قمر الزمان أي شيء هذه الصبية التي تزعم أني أرسلتها في هذه الليلة ثم أرسلت أخذتها من عندك قبل الصباح والله يا ولدي ليس لي علم بهذا الأمر. فبالله عليك أن تخبرني هل ذلك أضغاث أحلام أو تخيلات طعام فإنك بت في هذه الليلة وأنت مشغول الخاطر بالزواج وموسوس بذكره قبح الله الزواج وساعته وقبح من أشار به أنك متكدر المزاج من جهة الزواج فرأيت في المنام أن صبية مليحة تعانقك وأنت تعتقد في بالك انك رأيتها في اليقظة وهذا كله يا ولدي أضغاث أحلام.
فقال قمر الزمان: دع عنك هذا الكلام، واحلف بالله الخالق العلام قاصم الجبابرة ومبيد الأكاسرة أنه لم يكن عندك خبر بالصبية ومحلها؟ فقال الملك: وحق إله موسى وابراهيم أنه لم يكن لي علم بذلك، ولعله أضغاث أحلام رأيته في المنام، فقال قمر الزمان لوالده: أنا أضرب لك مثلاً يبين لك أن هذا كان في اليقظة.
و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والعشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان قال لوالده هذا المثل هو أني أسألك هل اتفق لأحد أنه رأى نفسه في المنام يقاتل وقد قاتل قتالاً شديداً وبعد ذلك استيقظ من منامه فوجد في يده سيفاً ملوثاً بالدم؟فقال له والده: لا والله يا ولدي لم يتفق هذا، فقال له قمر الزمان: أخبرك بما حصل لي وهو أني رأيت في هذه الليلة كأني استيقظت من منامي نصف الليل فوجدت بنتاً نائمة بجانبي وقدها كقدي وشكلها كشكلي فعانقتها ومسكتها بيدي وأخذت خاتمها ووضعته في إصبعي وامتنعت عنها حياء منك وظننت أنك أرسلتها واستخفيت في موضع لتنظر ما أفعل، واستحييت من أجل ذلك أن أقبلها في فمها حياء منك، وخطر ببالي أنك تمتحني بها حتى ترغبني في الزواج.
و بعد ذلك انتبهت من منامي في وجه الصبح فلم أجد للصبية من أثر ولا وقفت لها على أثر على خبر وجرى لي مع الخادم والوزير ما جرى فكيف يكون هذا الأمر كذباً وأمر الخاتم صحيحاً؟ ولولا الخاتم كنت أظن أنه منام وهذا خاتمها في خنصري في هذه الساعة فانظر أيها الملك إلى الخاتم كم يساوي، ثم إن قمر الزمان ناول الخاتم لأبيه فأخذه وقلبه ثم التفت إلى ولده وقال له: إن لهذا الخاتم نبأً عظيماً وخبراً جسيماً وإن الذي اتفق لك في هذه الليلة مع تلك الصبية أمر مشكل ولا أعلم من أين دخل علينا هذا الدخيل وما تسبب في هذا كله إلا الوزير فبالله عليك يا ولدي أن تصبر لعل الله يفرج عنك هذه الكربة ويأتيك بالفرج العظيم كما قال الشاعر:  
عسى ولعل الدهر يلوي عنانه
ويأتي بخير فالزمان غـيور
وتسعد آمالي وتقضي حوائجي
وتحدث من بعد الأمور أمور
>
فيا ولدي قد تحققت في هذه الساعة أنه ليس بك جنون ولكن قضيتك ما يجليها إلا الله، فقال قمر الزمان لوالده: بالله يا والدي أنك تفحص لي عن هذه الصبية وتعجل بقدزمها وإلا مت كمداً، ثم إن قمر الزمان أظهر الوجد والتفت بالوصل إلى أبيه وأنشد هذين البيتين:
إن كان في وعدكم بالوصـل تـزوير
ففي الكرى واصلوا المشتاق أو زورا
قالوا وكيف يزور الطيف جفن فتى
منامه عند ممنوع ومـحـجـورا
ثم إن قمر الزمان بعد إنشاد هذه الأشعار التفت إليه أبيه بخضوع وانكسار وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والعشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان أفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات:
خذوا حذركم من طرفها فهو ساحر
وليس بناج من رمته المـحـاجـر
ولا تخدعوا من رقة في كلامـهـا
فإن الحميا للعـقـول تـخـامـر
منعمه لولا مـس الـورد خـدهـا
بكت وبدت من مقلتيها الـبـواتـر
فلو في الكرى مر النسيم بأرضهـا
سرى وبدا من ارضها وهو عواطر
فلما فرغ قمر الزمان من شعره قال الوزير للملك: يا ملك الزمان إلى متى أنت محجوب عن العسكر عند ولدك قمر الزمان فربما يفسد عليك نظام المملكة بسبب بعدك عن أرباب دولتك، والعاقل إذا ألمت بجسمه أمراض مختلفة يجب أن يبدأ بمداواة أعظمها، والرأي عندي أن تنقل ولدك فيه وتجعل للموكب والديوان في كل جمعة يومين الخميس والاثنين فيدخل عليك الأمراء والحجاب والنواب وأرباب الدولة وخواً المملكة وأصحاب الصولة وبقية العساكر والرعية ويعرضون عليك أحوالهم فاقض حوائجهم واحكم بينهم وخذ مطلبهم وأمر وانهي بينهم، وبقية الجمعة تكون عند ولدك قمر الزمان ولا تزال على تلك الحالة حتى يفرج الله عنك وعنه، ولا تأمن أيها الملك من نوائب الزمان وطوارق الحدثان فإنه العاقل دائماً محاذر وما أحسن قول الشاعر:
حسنت ظنك بالأيام إذ حـسـنـت

ولم نخف سوء ما يأتي به القـدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند

وعند صفو الليالي يحدث الكـدر
يا معشر الناس من كان الزمان له

مساعد فليكن من رأيه الـحـذر
فلما سمع السلطان من الوزير هذا الكلام رآه صواباً ونصيحة في مصلحته فأثر عنده وخاف أن ينفسد عليه نظام الملك فنهض من وقته وساعته وأمر بتحويل ولده من ذلك المكان إلى القصر الذي في السرايا المطل على البحر ويمشون إليه على ممشاة في وسط البحر عرضها عشرون ذراعاً وبدائر القصر شبابيك مطلة على البحر وأرض ذلك القصر مفروشة بالرخام الملون وسقفه مدهون بأفخر الدهان من سائر الألوان ومنقوش بالذهب واللازورد ففرشوا لقمر الزمان فيه البسط الحرير وألبسوا حيطانه الديباج وأرخوا عليه الستائر المكللة بالجواهر ودخل فيه قمر الزمان وصار من شدة العشق كثير السهر، فاشتغل خاطره واصفر لونه وانتحل جسمه، وجلس والده عند رأسه وحزن عليه.
و صار الملك كل يوم اثنين وخميس يأذن في أن يدخل عليه من شاء الدخول الأمراء والوزراء والحجاب والنواب وأرباب الدولة وسائر العساكر والرعية في ذلك القصر فيدخلون عليه ويؤدون وظائف الخدمة ويقيمون عنده إلى آخر النهار ثم ينصرفون بعد ذلك إلى حال سبيلهم وبعد ذلك يدخل الملك عند ولده قمر الزمان في ذلك المكان ولا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، ولم يزل على تلك على تلك الحالة مدة أيام وليال من الزمان.
هذا ما كان من أمر قمر الزمان ابن الملك شهرمان، وأما ما كان من أمر الملكة بدور بنت الملك الغيور صاحب الجزائر والسبعة قصور فإن الجن لما حملوها وأناموها في فراشها لم يبق من الليل إلا ثلاث ساعات، ثم طلع الفجر فاستيقظت من منامها. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والعشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السيدة بدور لما استيقظت من منامها جلست والتفتت يميناً وشمالاً فلم تر معشوقها الذي كان في حضنها فارتجف فؤادها وزال عقلها وصرخت صرخة عظيمة فاستيقظ جميع جواريها والدايات والقهرمانات ودخلن عليها فتقدمت إليها كبيرتهن وقالت لها: يا سيدتي ما الذي أصابك؟ فقالت لها: أيتها العجوز النحس أين معشوقي الشاب الذي كان نائماً هذه الليلة في حضني فأخبريني أين راح؟ فلما سمعت منها القهرمانة هذا الكلام صار الضياء في وجهها ظلاماً وخافت من بأسها خوفاً عظيماً وقالت: يا سيدتي بدور أي شيء هذا الكلام القبيح؟ فقالت السيدة بدور: ويلك يا عجوز النحس أين معشوقي الشاب المليح صاحب الوجه المليح والعيون السود والحواجب المقرونة الذي كان بائتاً عندي من العشاء إلى قرب طلوع الفجر؟ فقالت: والله ما رأيت شاباً ولا غيره، فبالله يا سيدتي لا تمزحي هذا المزاح الخارج عن الحد فتروح أرواحنا وربما بلغ أباك هذا المزاح فمي يخلصنا من يده؟ فقالت الملكة بدور: إنه كان غلاماً بائتاً عندي في هذه الليلة وهو من أحسن الناس وجهاً، فقالت لها القهرمانة: سلامة عقلك ما كان أحد بائتاً عندك في هذه الليلة. فعند ذلك نظرت السيدة بدور إلى يدها فوجدت خاتم قمر الزمان في إصبعها ولم تجد خاتمها فقالت للقهرمانة: ويلك يا خائنة تكذبين علي وتقولين ما كان أحد بائتاً عندك وتحلفين بالله باطلاً، فقالت القهرمانة: والله ما كذبت عليك ولا حلفت باطلاً، فاغتاظت السيدة بدور وسحبت سيفاً كان عندها وضربت القهرمانة فقتلتها، فعند ذلك صاح الخدم والجواري والسراري عليها وراحوا إلى أبيها وأعلموه بحالها فأتى الملك إلى ابنتها السيدة بدور من وقته وساعته وقال لها: يا بنتي ما خبرك؟ فقالت يا أبي أين الشاب الذي كان نائماً بجانبي في هذه الليلة؟ وطار عقلها من رأسها وصارت تلتفت بعينيها يميناً وشمالاً ثم شقت ثوبها إلى ذيلها، فلما رأى أبوها تلك الفعال أمر الجواري والخدم أن يمسكوها فقبضوا عليها وقيدوها وجعلوا في رقبتها سلسلة من حديد وربطوها في الشباك الذي في القصر. هذا ما كان من أمر الملكة بدور.
و أما ما كان من أمر أبيها الملك الغيور فإنه لما رأى ما جرى من ابنته السيدة بدور ضاقت عليه الدنيا لأنه كان يحبها فلم يهن عليه أمرها، فعند ذلك أحضر المنجمين والحكماء وأصحاب الأقلام وقال لهم: من أبراً بنتي مما هي فيه زوجته بها وأعطيته نصف مملكتي ومن لم يبرئها ضربت عنقه ويعلق رأسه على باب القصر، ولم يزل يفعل ذلك إلى أن قطع من أجلها أربعين رأساً، فطلب سائر الحكماء فتوقفت جميع الناس عنها وعجز جميع الحكماء عن دوائها واشتكت قضيتها على أهل العلوم وأرباب الأقلام، ثم إن السيدة بدور لما زاد بها الوجد والغرام وأرباب الهيام أجرت العبرات وأنشدت هذه الأبيات:
غرامي فيك يا قمري غريمي

ذكرك في دجى ليلي نديمي
أتيت وأضلعي فيها لـهـيب

يحاكي حره نار الجـحـيم
بليت بفرط وجد واحـتـراق

عذابي منهما أضحى أليمـي
فلما فرغت السيدة بدور من إنشاد هذه الأشعار بكت حتى مرضت جفونها وتذبلت وجناته ثم إنها استمرت على هذا الحال ثلاث سنين وكان لها أخ من الرضاع يسمى مرزوان وكان سافر إلى أقصى البلاد وغاب عنها تلك المدة بطولها وكان يحبها محبة زائدة على محبة الأخوة فلما حضر دخل على والدته وسألها عن أخته السيدة بدور فقالت له: يا ولدي أختك حصل لها الجنون ومضى لها ثلاث سنين وفي رقبتها سلسلة من حديد وعجزت الأطباء عن دوائها، فلما سمع مرزوان هذا الكلام قال لها: لا بد من دخولي عليها لعلي أعرف ما بها وأقدر على دوائها، فلما سمعت كلامه قالت: لا بد من خولك عليها ولكن اصبر إلى غد حتى أتحيل في أمرك ثم إن أمه ذهبت إلى قصر السيدة بدور واجتمعت بالخادم الموكل بالباب وأهدت له هدية وقالت له: إن لي بنتاً قد تربت مع السيدة بدور وقد زوجتها ولما جرى لسيدتك ما جرى صار قلبها متعلقاً بها وأرجو من فضلك أن بنتي تأتي عندها ساعة لتنظرها ثم ترجع من حيث جاءت ولا يعلم بها أحد، فقال الخادم:لا يمكن ذلك إلا في الليل فبعد أن يأتي السلطان ينظر ابنته ويخرج ادخلي أنت وابنتك، فقبلت العجوز يد الخادم وخرجت إلى بيتها. فلما جاء وقت العشاء من الليلة القابلة قامت من وقتها وساعتها وأخذت ولدها مرزوان وألبسته بدلة من ثياب النساء وجعلت يده في يدها وأدخلته القصر، وما زالت تمشي حتى أوصلته إلى الخادم بعد انصراف السلطان من عند ابنته فلما رآها الخادم قام واقفاً وقال لها: ادخلي ولا تطيلي القعود فلما دخلت العجوز بولدها مرزوان رأى السيدة بدور في تلك الحالة فسلموا عليها بعد أنكشفت عنه أمه ثياب النساء فأخرج مرزوان الكتب التي معه وأوقد شمعة فنظرت إليه السيدة بدور فعرفته وقالت له: يا أخي أنت سافرت وانقطعت أخبارك عنا فقال لها: صحيح ولكن ردني الله باسلامة وأردت السفر ثانية فما ردني عنه إلا هذا الخبر الذي سمعته عنك فاحترق فؤادي عليك وجئت إليك لعلي أعرف داءك وأقدر على دوائك، فقالت له: يا أخي هل تحسب أن الذي اعتراني جنون، ثم أشارت إليه وأنشدت هذين البيتين:  
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم

ما لذة العيش إلا للمـجـانـين
ثم جننت فهاتوا من جننـت بـه

إن كان يشفي جنوني لا تلوموني
فعلم مرزوان أنها عاشقة فقال لها: أخبريني بقصتك وما اتفق لك لعل الله يطلعني على ما فيه خلاصك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والعشرون بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بدور قالت: يا أخي اسمع قصتي وذلك أنني تيقظت من منامي ليلة في الثلث الأخير من الليل وجلست فرأيت بجانبي شاباً احسن ما يكون من الشبان يكل عن وصفه اللسان كأنه غصن بان أو قضيب خيزران فظننت أن أبي هو الذي أمره بهذا الأمر ليمتحنني به لأنه راودني عن الزواج لما خطبني منه الملوك فأبيت فهذا الظن هو الذي منعني من أن أنبهه وخشيت إني إذا عانقته ربما يخبر أبي بذلك فلما أصبحت رأيت بيدي خاتمه عوضاً عن خاتمي. فهذه حكايتي وأنا يا أخي قد تعلق قلبي به من حن رؤيته ومن كثرة عشقي والغرام لم أذق طعم المنام وما لي شغل غير بكائي بالدموع وإنشاد الأشعار بالليل والنهار ثم أفضت العبرات وأنشدت هذه الأبيات:
أبعد الحب لـذاتـي تـطـيب

وذاك الظبي مرتعه القـلـوب
دم العشاق أهون مـا عـلـيه

وفيه مهجة الظـنـى تـذوب
أغار عليه من نظري وفكـري

فمن بعضي على بعضي رقيب
راجفان له ترمـي سـهـامـاً

فواتك في القلوب لنا تصـيب
فهل لي أن أراه قبل مـوتـي

إذا ما كان في الدنيا نـصـيب
وأكتم السـر فـينـيم دمـعـي

بما عندي ويعلمـه الـرقـيب
قريب وصلـه مـنـي بـعـيد

بعـيد ذكـره مـنـي قـريب
ثم إن السيدة بدور قالت لمرزوان: انظر يا أخي ما الذي تعمل معي في الذي اعتراني فأطرق مرزوان رأسه إلى الأرض ساعة وهو يتعجب وما يدري ما يفعل ثم رفع رأسه وقال لها: جميع ما جرى لك صحيح وإن حكاية هذا الشاب أعيت فكري ولكن أدور جميع البلاد وأفتش على دوائك لعل الله يجعله على يدي فاصبري ولا تقلقي ثم إن مرزوان ودعها ودعا لها بالثبات وخرج من عندها ثم إن مرزوان تمشى إلى بيت والدته فنام تلك الليلة ولما أصبح الصباح تجهز للسفر فسافر ولم يزل مسافراً من مدينة إلى مدينة ومن جزيرة إلى جزيرة مدة شهر كامل ثم دخل مدينة يقال لها الطيرب واستنشق الأخبار من الناس لعله يجد دواء للملكة بدور وكان كلما يدخل في مدينة أو يمر بها يسمع أن الملكة بدور بنت الملك الغيور قد حصل لها جنون ولم يزل يستنشق الأخبار حتى وصل إلى مدينة الطيرب فسمع إن قمر الزمان ابن الملك شهرمان مريض وأنه اعتراه وسواس وجنون.
فلما سمع مرزوان بخبره سأل بعض أهالي تلك المدينة عن بلاده ومحل تخته فقالوا له جزائر خالدات وبيننا وبينها مسيرة شهر كامل في البحر وأما في البر فستة أشهر، فنزل مرزوان في مركب إلى جزائر خالدات وكانت مركب مجهزة للسفر وطاب لها الريح مدة شهر فبانت لهم المدينة ولما أشرفوا عليها ولم يبق لهم إلا الوصول إلى الساحل خرجت عليهم ريح عاصف فرمى الرية ووقعت القلوع في البحرو انقلب المركب بجميع ما فيه.
و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والعشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مرزوان جذبته قوة التيار جذبة حتى أوصلته تحت قصر الملك الذي فيه قمر الزمان وكان بالأمر المقدر قد اجتمع الأمراء والوزراء عنده للخدمة والملك شهرمان جالس ورأس ولده في حجره وخادم يهش عليه. وكان قمر الزمان مضى عليه يومان وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم وصار الوزير واقفاً عند رجليه قريب من الشباك المطل على البحر فرفع الوزير بصره فرأى مرزوان قد أشرف على الهلاك من التيار وبقي على آخر نفس فرق قلب الوزير إليه فتقرب من السلطان ومد رأسه إليه وقال له: أستأذنك في أن أنزل إلى ساحة القصر وأفتح بابها لأنقذ إنساناً قد أشرف على الغرق وأطلعه من الضيق إلى الفرج لعل الله بسبب ذلك يخلص ولدك مما هو عليه.
فقال السلطان: كل ما جرى على ولدي بسببك وربما أنك إذا طلعت هذا الغريب يطلع على أحوالنا وينظر إلى ولدي وخرج يتحدث مع أحد بأسرارنا لأضربن رقبتك قبله لأنك أيها الوزير سبب ما جرى لنا أولاً وآخراً فافعل ما بدا لك، فنهض الوزير وفتح باب الساحة ونزل في الممشاة عشرين خطوة، ثم خرج إلى البحر فرأى مرزوان مشرفاً على الموت فمد الوزير يده إليه وأمسكه من شعر رأسه وجذبه منه عليه حتى ردت روحه إليه ثم نزع عنه ثيابه وألبسه غيرها وعممه بعمامة من عمائم غلمانه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والعشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير لما فعل مع مرزوان ما فعل، وكيف قال إني كنت سبباً لنجاتك فلا تكن سبباً لموتي وموتك، فقال مرزوان: وكيف ذلك؟ قال الوزير: لأنك في هذه الساعة تطلع وتشق بين أمراء ووزراء والكل ساكتون لا يتكلمون من أجل قمر الزمان ابن السلطان، فلما سمع مرزوان ذكر قمر الزمان عرفه لأنه كان يسمع بحديثه في البلاد، فقال مرزوان: ومن قمر الزمان؟ فقال الوزير: هو ابن السلطان شهرمان وهو ضعيف ملقى على الفراش لا يقر له قرار ولا يعرف ليلاً ولا نهاراً وكاد أن يفارق الحياة من نجول جسمه ويصير من الأموات فنهاره لهيب وليله في تعذيب وقد يئسنا من حياته وأيقنا بوفاته وإياك أن تطيل النظر إلى غير الموضع الذي تحط فيه رجلك وإلا تروح روحك وروحي، فقال: بالله أخبرني عن هذا الشاب الذي وصفته لي وما سبب هذا الأمر الذي هو فيه؟ فقال له الوزير: لا أعلم له سبباً إلا أن والده من مدة ثلاث سنين كان يراوده عن أمر الزواج وهو يأبى فأصبح يزعم أنه كان نائماً فرأى بجنبه صبية بارعة الجمال وجمالها يحير العقول ويعجز عنه الوصف وذكر لنا أنه نزع خاتمها من إصبعها ولبسه وألبسها خاتمه ونحن لا نعرف باطن هذه القضية، فبالله يالولدي اطلع معي القصر ولا تنظر إلى ابن الملك ثم بعد ذلك روح إلى حال سبيل فإن السلطان قلبه ملآن عليه غيظاً.
فقال مرزوان في نفسه: والله إن هذا هو المطلوب ثم طلع خلف الوزير إلى أن وصل إلى القصر، ثم جلس الوزير تحت رجلي قمر الزمان وأما مرزوان فإنه لم يكن له دأب إلا أنه مشى حتى وقف قدام قمر الزمان ونظر إليه فمات الوزير في جلده وصار ينظر إلى مرزوان ويغمزه ليروح إلى حال سبيله ومرزوان يتغافل وينظر لإلى قمر الزمان وعلم أنه هو المطلوب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والعشرين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن مرزوان قال: سبحان الله الذي جعل قده مثل قدها ولونه مثل لونها وخده مثل خدها ففتح قمر الزمان عينيه وصغى بأذنيه فلما رآه مرزوان صاغياً إلى ما يلقيه من الكلمات أنشد هذه الأبيات:
أراك طروباً ذا شـجـى وتـرنـم

تميل إلى ذكر المحاسن بـالـفـم
أصابك عشق أم رميت بـسـهـم

فما هـذه الأسـيجة مـن رمـي
ألا فاسقني كاسات خمر وإن لـي

بذكر سليمى والرباب وتـنـعـم
أغار على أعطافها من ثـيابـهـا

إذا لبستها فوق جسـم مـنـعـم
وأحسد كاسات تقبـل ثـغـرهـا

إذا وضعت اللـثـم فـي الـفـم
فلا تحسبوا أني قتلـت بـصـارم

ولكن لحاظ قد رمتني بـأسـهـم
ولما تلاقينـا وجـدت بـنـانـهـا

مخضبة تحكي عصـارة عـنـدم
فقالت وألقت في الحـشـا لاعـج

الهوى مقالة من للحب لم يتكـلـم
رويدك ما هذا خضاب خضبـتـه

فلاتك بالبهتان والزور متهـمـي
ولكننـي لـمـا رأيتـك نـائمـاً

وقد كشفت كفي وزندي ومعصمي
بكيت دماً يوم النوى فمسـحـتـه

بكفي فابتلت بنانـي مـن دمـي
فلو قبل مبكاه بـكـيت صـبـابة

لكنت شفيت النفس قبل الـتـنـدم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البـكـا

بكاها فقلت الفضل للـمـتـقـدم
فلا تعذلوني في هواهـا لأنـنـي

وحق الهوى فيها كثير الـتـألـم
بكيت على زين الحسن وجهـهـا

ليس لها مثـل يعـرب وأعـجـم
لها علم لقمـان وصـورة يوسـف

ونـغـمة داود وعـفة مــريم
ولي حزن يعقوب وحسرة يونـس

وبـلــوة أيوب وقـــصة آدم
فلا تقتلوها إن قلت بـهـا حـوى

بلى فاسألوها كيف حل لها دمـي
فلما أنشد مرزوان هذا الشعر نزل عل قمر الزمان برداً وسلاما. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان أشار إلى السلطان بيده: دع هذا الشاب يجلس في جانبي، فلما سمع السلطان من ولده قمر الزمان هذا الكلام هذا الكلام فرح فرحاً شديداً، بعد أن غضب على الشاب وأضمر في نفسه أنه يرمي رقبته، ثم قام الملك وأجلس مرزوان إلى جانب ولده وأقبل عليه وقال له: من أي البلاد أنت؟ قال من الجزائر الجوانية من بلاد الملك الغيور صاحب الجزائر والبحور، والسبعة قصور. فقال له الملك شهرمان: عسى أن يكون الفرج على يديك لولدي قمر الزمان، ثم إن مرزوان أقبل على قمر الزمان وقال له في أذنه: ثبت قلبك وطب نفساً وقر عيناً فإن التي صرت من أجلها هكذا لا تسأل عما هي فيه من أجلك ولكنك كتمت أمرك فضعفت، وأما هي فإنها أظهرت ما بها فجئت وهي الآن مسجونة بأسوأ حال وفي رقبتها غل من حديد وإن شاء الله تعالى يكون دوائكما على يدي.
فلما سمع قمر الزمان هذا الكلام ردت روحه إليه واستفاق وأشار إلى الملك والده أن يجلس ففرح فرحاً زائداً وأجلس ولده، ثم أخرج جميع الوزراء والأمراء واتكأ قمر الزمان بين مخدتين وأمر الملك أن يطيبوا القصر بالزعفران ثم أمر بزينة المدينة وقال لمرزوان: والله يا ولدي إن هذه طلعة مباركة ثم أكرمه غاية الإكرام وطلب لمرزوان الطعام فقدموا له فأكل وأكل معه قمر الزمان. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الحادية والثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن السلطان شهرمان بات تلك الليلة عندهما من شدة فرحته بشفاء ولده فلما أصبح الصباح صار مرزوان يحدث قمر الزمان بالقصة وقال له: اعلم أنني أعرف التي اجتمعت بها واسمها بدور بنت الملك الغيور، ثم حدثه بما جرى للسيدة بدور من الأول إلى الآخر وأخبره بفرط محبتها له وقال له: جميع ما جرى لك مع والدك جرى لها مع والده وأنت من غير شك حبيبها فثبت قلبك وقوي عزيمتك فهاأنا أوصلك إليها وأجمع بينك وبينها وأعمل معكما كما قال بعض الشعراء:
إذا الحبيب صد عن صبـه

ولم يزل في فرط أعراض
ألفت وصلاً بين شخصيكما

كأنني مسمار مـقـراض
و لم يزل مرزوان يشجع قمر الزمان حتى أكل الطعام وشرب الشراب وردت روحه إليه ونقه مما كان فيه ولم يزل مرزوان يحدثه وينادمه ويسليه وينشد له الأشعار حتى دخل الحمام وأمر والده بزينة المدينة فرحاً بذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك شهرمان خلع الخلعة وتصدق وأطلق من في الحبوس ثم إن مرزوان قال لقمر الزمان: اعلم أنني ما حئت من عند السيدة بدور إلا لهذا الأمر وهو سبب سفري لأجل أن أخلصها مما هي فيه وما بقي لنا إلا الحيلة في رواحنا إليها لأن والدك لا يسمح لك بالذهاب، ولازم أن تخرج إلى الصيفي البرية ومعك خرجاً ملآناً من المال، واركب جواداً من الخيل وخذ معك جنيباً وأنا الآخر مثلك، وقل لوالدك إني أريد أن أتفرج في البرية وأتصيد وأنظر في الفضاء وأبيت هنا ليلة واحدة فلا تشغل قلبك علي بشيء، ففرح قمر الزمان واستأذنه في الخروج إلى الصيد وقال له الكلام الذي أوصاه به مرزوان فأذن له والده في الخروج إلى الصيد وقال له: لا تبت غير ليلة واحدة وفي غد تحضر فإنك تعلم أنه ما يطيب لي عيش إلا بك وإنني ما صدقت أنك خلصت مما كنت فيه، ثم إن الملك شهرمان أنشد هذين البيتين:
ولو أنني أصبحت في كل نعـمة

وكانت لي الدنيا وملك الأكاسـرة
لما وازنت عندي جناح بعـوضة

وإذا لم تكن عيني لشخصك ناظرة
ثم إن الملك جهز ولده قمر الزمان هو مرزوان وأمر أن يهيأ لهما ستة من الخيل وهجين برسم المال، وجمل يحمل الماء والزاد ومنع قمر الزمان أن يخرج معه أحد في خدمته فودعه أبوه وضمه إلى صدره وقال له: سألتك بالله لا تغيب عني إلا ليلة واحدة وحرام علي المنا فيها وأنشد:
وصالك عندي ألذ نـعـيم

وصبري عنك أضر ألـيم
فديتك إن كان ذنب الهـوى

إليك فذنبي أجل عـظـيم
أعندك مثلي نار الـجـوى

فأصلى بذاك عذاب الجحيم
ثم خرج قمر الزمان ومرزوان وركبا فرسين ومعهما الهجين والجمل عليه الماء والزاد واستقبلا البر. و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان ومرزوان لما استقبلا البر سارا أول يوم إلى المساء ثم نزلا وأكلا وشربا وأطهما دوابهما واستراحا ساعة ثم ركبا وما زالا سائرين مدة ثلاثة أيام وفي رابع يوم بان لهما مكان متسع فيه غاب فنزلا فيه ثم أخذ مرزوان جملاً وفرساً وذبحهما وقطع لحمهما قطعاً ونحر عظمهما وأخذ من قمر الزمان قميصه ولباسه وقطعهما ولونهما بدم الفرس وأخذ ملوطة قمر الزمان ومزقها ولوثها بالدم ورماها في مفرق الطريق ثم أكلا وشربا وسافرا فسأله قمر الزمان عما فعله فقال مرزوان: اعلم أم والدك الملك شهرمان إذا غبت عنه ليلة ولم تحضر ثاني ليلة يركب ويسافر في أثرنا إلى أن يصل إلى هذا الدم الذي فعلته ويرى قماشك مقطعاً وعليه الدم فيظن في نفسه أنه جرى لك شيء من قطاع الطريق أو وحش البر فينقطع رجاؤه منك ويرجع إلى المدينة ونبلغ بهذه الحيلة ما نريد، فقال قمر الزمان: نعم ما فعلت ثم سارا أياماً وليالي وكل ذلك وقمر الزمان باكي العين إلى أن استبشر بقرب الديار أنشد هذه الأشعار:
أتجفو محباً مـا سـلا عـنـك سـاعة

وتزهد فيه بعد مـا كـنـت راغـبـا
حرمت الرضا إن كنت خنتك في الهوى

وعوقبت بالهجران إن كنـت كـاذبـا
وما كان لي ذنب فاستوجب الـجـفـا

وإن كان لي ذنب فقـد جـئت تـائبـا
ومن عـجـب الأيام أنـك هـاجـري

وما زالت الأنام تبـدي الـعـجـائبـا
فلما فرغ قمر الزمان من شعره بانت له جزائر الملك الغيور ففرح قمر الزمان فرحاً شديداً وشكر مرزوان على فعله. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة والثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان ومرزوان دخلا المدينة وأنزله مرزوان في خان واستراحا ثلاثة أيام من السفر وبعد ذلك دخل قمر الزمان الحمام وألبسه لبس التجار وعمل له تخت رمل من ذهب وعمل له عدة وعمل له اصطرلاباً من الذهب ثم قال له مرزوان: قم يا مولاي وقف تحت قصر الملك وناد: أنا الحاسب الكاتب المنجم فأين الطالب؟ فإن الملك إذا سمعك يرسل خلفك ويدخل بك على ابنته محبوبتك وهي حين تراك يزول ما بها من الجنون ويفرح أبوها بسلامتك ويزوجها بك ويقاسمك في ملكه لأنه شرط على نفسه هذا الشرط، فقبل قمر الزمان ما أشار به مرزوان وخرج من الخان وهو لابس البدلة وأخذ معه العدة التي ذكرناها ومشى إلى أن وقف تحت قصر الملك الغيور ونادى: أنا الكاتب الحاسب المنجم أكتب الكتاب وأحكم الحجاب وأحسب الحساب بأقلام المطالب فأين الطالب؟ فلما سمع أهل المدينة هذا الكلام وكانوا مدة من الزمان ما رأوا حاسباً ولا مترجماً وقفوا حوله وتأملوه فتعجبوا من حسن صورته ورونق سبابه وقالوا له: بالله عليك يا مولانا لا تفعل بنفسك هذه الفعال طمعاً في زواج بنت الملك الغيور وانظر بعينيك إلى هذه الرؤوس المعلقة فإن أصحابهم كلهم قتلوا من أجل هذا الحال فآل بهم الطمع إلى الوبال، فلم يلتفت قمر الزمان إلى كلامهم بل رفع صوته ونادى: أنا كاتب حاسب أقرب المطالب للطالب فتداخل عليه الناس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان نهته الناس فلم يسمع كلامهم فاغتاظوا جميعاً وقالوا له: ما أنت إلا شاب مكابر أحمق، ارحم شبابك وصغر سنك وحسنك وجمالك، فصاح قمر الزمان وقال: أنا المنجم والحاسب فهل من طالب؟ فبينما الناس تنهى قمر الزمان عن هذه الحالة إذ سمع الملك الغيور الصياح وضجة الناس فقال للوزير: انزل فائتنا بذا المنجم، فنزل الوزير وأخذ قمر الزمان فلما دخل على الملك قبل الأرض بين يديه وأنشد هذين البيتين:
ثمانية في المجد خرت جميعهـا

فلا زال خداماً بهن لك الدهـر
يتينك والتقوى ومجدك والـنـدى

ولفظك والمعنى وعزك والنصر
فلما نظر الملك الغيور إليه أجلسه إلى جانبه وأقبل عليه وقال له: يا ولدي لا تجعل نفشك منجماً ولا تدخل على شرطي فإني ألزمت نفسي أن كل من دخل على بنتي ولم يبرئها مما أصاب بها ضربت عنقه وكل من أبرأها زوجته لها فلا يغرك حسنك وجمالك وقدك واعتدالك والله والله إن لم تبرئها لأضربن عنقك، فقال قمر الزمان: قبلت منك هذا الشرط فأشهد عليه الملك الغيور القضاة وسلمه إلى الخدم وقال له: أوصل هذا إلى السيدة بدور فأخذه الخادم من يده ومشى به إلى الدهليز فصار قمر الزمان يسابقه وصار الخادم يقول له: ويلك لا تستعجل على هلاك نفسك فوالله ما رأيت منجماً يستعجل على هلاك نفسه إلا أنت ولكنك لم تعرف أي شيء قدامك على الدواهي فأعرض قمر الزمان بوجهه عن الخادم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان أنشد هذه الأبيات:
أنا عارف بصفات حسنك جاهل

متحير لـم أدر مـا أنـا قـائل
إن قلت شمساً كأن حسنك لم يغب

عني وعهدي بالشموس أوافـل
كملت محاسنك التي في وصفها

عجز البليغ وحار فيه الـقـائل
ثم إن الخادم أوقف قمر الزمان خلف الستارة التي على الباب فقال له قمر الزمان: أي الحالتين أحب إليك كوني أداوي سيدتك وأبرئها من هنا أو أدخل إليها وأبرئها من داخل الستارة؟ فتعجب الخادم من كلامه وقال له: إن أبرأتها من هنا كان ذلك زيادة في فضلك فعند ذلك جلس قمر الزمان خلف الستارة وأطلع الدواة والقلم وكتب في ورقة هذه الكلمات: من يروح به الجفاء فدواؤه الوفاء والبلاء لمن يئس من حياته وأيقن بحلول وفاته وما لقلبه الحزين من مسعف ولا معين وما لطرفه الساهر على الهم ناصر، فنهاره لهيب وليله تعذيب وقد انبرى جسمه من كثرة النحول ولم يأته من حبيبه رسول، ثم كتب هذه الأبيات:
كتبت ولي قلب بذكرك مـولـع

وجفن قريح من دمـائي يدمـع
وجسم كساه لاعج الشوق والأسى

قميص نحول فهو فيه مضعضع
شكوت الهوى لما أضر بي الهوى

ولم يبق عندي للتصبر موضـع
ليك فجودي وارحمي وتعطفـي

فإن فؤادي بالهـوى يتـقـطـع
ثم كتب تحت الشعر هذه السجعات: شفاء القلوب لقاء المحبوب، من جفاه حبيبه فالله طبيبه، من خان منكم ومنالاً نال ما يتمنى، ولا أظرف من المحب الوافي إلى الحبيب الجافي، ثم كتب في الإمضاء: من الهائم الولهان العاشق الحيران من أقلقه الشوق والغرام سير الوجد والهيام قمر الزمان ابن الملك شهرمان إلى فريدة الزمان ونخبة الحور الحسان السيدة بدور بنت الملك الغيور، اعلمي أنني في ليلي سهران وفي نهاري حيران زائد النحول والأسقام والعشق والغرام كثير الزفرات غزير العبرات أسير الهوى قتيل الجوى، غريم الغرام، نديم السقام، فأنا السهران الذي لا تهجع مقلته والميتم الذي لا تهجع مقلته والمتي الذي لا ترفأ عبرته، فنار قلبي لا تطفأ ولهيب شوقي لا يخفى، ثم كتب في حاشية الكتاب هذا البيت المستطاب:
سلام من خزائن لطف ربـي

على من عندها روحي وقلبي
ثم كتب أيضاً:
أرسلت خاتمك الذي أستبـدلـه

يوم التواصل فارسلي لي خاتمي
وكان وضع خاتم السيدة بدور في طي الكتاب ثناول الكتاب للخادم. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان لما وضع الخاتم في الورقة ناولها للخادم فأخذها ودخل بها إلى السيدة بدور فأختها من يد الخادم وفتحتها فوجدت خاتمها بعينه ثم قرأت الورقة، فلما عرفت المقصود علمت أن معشوقها قمر الزمان وأنه هو الواقف خلف الستارة فطار عقلها من الفرح واتسع صدرها وانشرح، ومن فرط المسرات أنشدن هذه الأبيات:
ولقد ندمت على تفرق شملنـا

دهرأ وفاض الدمع من أجفاني
ونذرت إن عاد الزمان يلمـنـا

لا عدت أذكر فرقة بلسـانـي
هجم السرور علي حتـى أنـه

من فرط ما سرني أبكـانـي
يا عين صار الدمـع سـجـية

تبكين في فرح وفي أحـزان
فلما فرغت السيدة بدور من شعرها قامت من وقتها وصلبت رجليها في الحائط واتكأت بقوتها على الغل الحديد فقطعته من رقبتها وقطعت السلاسل وخرجت من خلف الستارة ورمت روحها على قمر الزمان وقبلته في فمه مثل زق الحمام وعانقته م شدة ما بها من الغرام وقالت له: يا سيدي هل هذا يقظة أو منام وقد من الله علينا بجمع شملنا، ثم حمدت الله وشكرته على جمع شملها بعد اليأس، فلما رآها الخادم على تلك الحالة ذهب يجري حتى وصل إلى الملك الغيور فقبل الأرض بين يديه وقال له: يا مولاي اعلم أن هذا المنجم أعلم المنجمين كلهم فإنه داوى ابنتك وهو واقف خلف الستارة ولم يدخل عليها، فقال الملك للخادم: أصحيح هذا الخبر؟ فقال الخادم يا سيدي قم وانظر كيف قطعت السلاسل وخرجت للمنجك تقبله وتعانقه، فعند ذلك قام الملك الغيور ودخل على ابنته فلما رأته نهضت قائمة وغطت رأسها وأنشدت هذين البيتين:
لا أحب السواك من أجل أني

إن ذكرت السواك قلت سواكا
وأحب الأراك من أجل أنـي

إن ذكرت الأراك قلت أراك
ففرح أبوها بسلامتها وقبلها بين عينيها لأنه كان يحبها محبة عظيمة، وأقبل الملك الغيور على قمر الزمان وسأله عن حاله وقال له: من أي البلاد أنت؟ فأخبره قمر الزمان بشأنه وأعلمه أن والده الملك شهرمان، ثم إن قمر الزمان قص عليه القصة من أولها إلى آخرها وأخبره بجميع ما اتفق له مع السيدة بدور وكيف أخذ الخاتم من إصبعها وألبسها خاتمه فتعجب الملك الغيور من ذلك وقال: إن حكايتكما يجب أن تؤرخ في الكتب وتقرأ بعدكما جيلاً بعد جيل، ثم إن الملك الغيور أحضر القضاة والشهود من وقته وكتب كتاب السيدة بدور على قمر الزمان وأمر بتزيين المدينة سبعة أيام، ثم مدوا السماط والأطعمة وزينت المدينة وجميع العساكر وأقبلت البشائر ودخل قمر الزمان على السيدة بدور وفرح بعافيتها وزواجها وحمد الله الذي رماها في حب شاب مليح من أبناء الملوك ثم جلوها عليه وكانا يشبهان بعضهما في الحسن والجمال والظرف والدلال ونام قمر الزمان عندها الليلة وبلغ أربه منها وتمتعت هي بحسنه وجماله وتعانقا إلى الصباح، وفي اليوم الثاني عمل الملك وليمة وجمع أهل الجزائر الجوانية والجزائر البرانية وقدم لهم الأسمطة وامتدت الموائد مدة شهر كامل، وبعد ذلك تفكر قمر الزمان أباه ورآه في المنام يقول له: يا ولدي أهكذا تفعل معي هذه الفعال وأنشده في المنام هذين البيتين:
لقد راعني بدر الدجى بـصـدوده

ووكل أجفاني برعي كـواكـبـه
فياكبدي مهلاً عـسـاه يعـود لـي

ويا مهجتي صبراً على ما كواك به
ثم إن قمر الزمان لما رأى والده في المنام يعاتبه أصبح حزيناً وأعلم زوجته بذلك. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قمر الزمان لما رأى والده في المنام يعاتبه أصبح حزيناً وأخبر السيدة بدور بذلك فدخلت هي وإياه على والدها وأعلماه واستأذناه في السفر فقالت السيدة بدور: يا والدي لا أصبر على فراقه فقال لها والدها: سافري معه وأذن لها بالإقامة معه سنة كاملة وبعد السنة تجيء تزور والدها في كل عام مرة، فقبلت يد أبيها وكذلك قمر الزمان، ثم شرع الملك الغيور في تجهيز ابنته هي وزوجها وهيأ لهما الخيول والهجان وأخرج ابنته وحمل لهما البغال والهجان واخرج لهما ما يحتاجان إليه في السفر.
و في يوم المسير ودع الملك الغيور قمر الزمان وخلع عليه خلعة سنية من الذهب مرصعة بالجواهر وقدم له خزنة مال وأوصاه على ابنته، ثم خرج معهما إلى طرف الجزائر وبعد ذلك ودع قمر الزمان، ثم دخل على ابنته وهي في المحفة وصار يعانقها ويبكي وأنشد هذين البيتين:
يا طالباً للفراق صبـرا

فمنعة العاشق العنـاق
مهلاً فطبع الزمان غدر

وآخر العشرة الفـراق
ثم خرج من عند ابنته وأتى إلى زوجته قمر الزمان فصار يودعه ويقبله ثم فارقهما وعاد إلى جزائره بعسكره بعد أن أمرهما بالرحيل فسار قمر الزمان هو وزوجته السيدة بدور ومن معهم من الأتباع أول يوم والثاني والثالث والرابع ولم يزالوا مسافرين مدو شهر، ثم نزلوا في مرج واسع كثير الكلأ وضربوا خيامهم فيه وأكلوا وشربوا واستراحوا ونامت السيدة بدور فدخل عليها قمر الزمان فوجدها وفوق بدنها قميص مشمشي من الحرير يبين منه كل شيء وفوق رأسها كوفية من الحرير مرصعة بالجواهر وقد رفع الهواء قميصها فطلع فوق سرتها عند نهودها فبان بطنها أبيض من الثلج وكل عكسة من عكس طياته تسع اوقية من دهن البان فزاد بها محبة وهياماً وأنشد هذن البيتين:
لو قيل لي وزفير الحـر مـتـقـد

والنار في القلب والأحشاء تضطرم
أهم تريد وتهوى أن تشـاهـدهـم

أو شربة من زلال الماء قلت هـم
فحط قمر الزمان يده في تكة لباسها فجذبها وحلها لما اشتهاها خاطره فرأى فصاً أحمر مثل العندم مربوطاً على التكة وعليه أسماء منقوشة سطرين بكتابة لا تقرأ فتعجب قمر الزمان من ذلك الفص وقال في نفسه: لولا أن لهذا الفص أمر عظيم عندها ما ربطته على تكة لباسها وما خبأته في أعز مكان عندها حتى لا تفارقه، فماذا تصنع بهذا السر الذي هو فيه؟ ثم أخذه وخرج من الخيمة ليبصره في النور. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الأربعين بعد المئتين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه لما أخذ الفص ليبصره في النور صار يتأمل فيه وإذا بطائر انقض عليه وخطفه من يده وطار به وحط على الأرض، فخاف قمر الزمان على الفص وجرى خلف الطائر، وصار الطائر يجري على قدر جري قمر الزمان خلفه من واد إلى واد ومن تل إلى تل إلى أن دخل الليل وتغلس الظلام فنام الطائر على شجرة عالية فوقف قمر الزمان تحتها وصار باهتاً وقد ضعف من الجوع والتعب وظن أنه هالك، وأراد أن يرجع فما علاف الموضع الذي جاء منه. وهجم الظلام فقال: لا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، ثم نام تحت الشجرة التي فوقها الطائر إلى الصباح ثم انتبه من نومه فوجد الطائر قد انتبه وطار من فوق الشجرة فمشى قمر الزمان خلفه وصار ذلك الطائر يطير قليلاً بقدر مشي قمر الزمان وقال: يا لله العجب أن هذا الطائر كان بالأمس يطير بقدر جريتي وفي هذا اليوم علم اني أصبحت تعباناً لا أقدر على الجري فصار يطير على قدر مشيتي، إن هذا عجيب، ولكن لا بد أن أتبع هذا الطائر فإما أن يقودني إلى حياتي أو مماتي، فأنا أتبعه أينما يتوجه لأنه على كل حال لا يقيم إلا في البلاد العمار.
ثم إن قمر الزمان جعل يمشي تحت الطائر والطائر يبيت في كل ليلة على شجرة ولم يزل متابعه مدة عشرة أيام وقمر الزمان يتقوت من نبات الأرض ويشب من الأنهار. وبعد العشرة أيام أشرف على مدينة عامرة فمر الطائر في تلك المدينة مثل لمح البصر وغاب عن قمر الزمان وقال: الحمد لله الذي سلمني حتى وصلت إلى هذه المدينة، ثم جلس عند الماء وغسل يديه ورجليه ووجهه واستراح ساعة وتذكر ما كان فيه من الراحة، ونظر إلى ما هو فيه من الغربة والجوع والتعب، فأنشد يقول:
أخفيت ما ألقاه منه وقـد ظـهـر

والنوم من عيني تبذل بالـسـهـر
ناديت لما أوهنت قلبي الـفـكـر

يا دهر يا دهر لا تبقي علي ولاتذر
ها مهجتي بين المشقة والخطـر


لو كان سلطان المحبة منصفي

ما كان نومي من عيوني قد نفـي
يا سادتي رفقاً بـصـب مـدنـف

وتعطفوا لعـزيز قـوم ذل فـي
شرع الهوى وغني قوم وافتقـر


لج العواذل فيك ما طاوعتهم

وسددت كل مسامعي وعصيتـهـم
قالوا عشقت مهفهفاً فأجـبـتـهـم

اخترته من بينهـم وتـركـتـهـم
كفوا إذا وقع القضا عمي البصر


ثم إن قمر الزمان لما فرغ من شعره واستراح دخل باب المدينة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
يتبع ...


الف ليلة و ليلة 5 حكاية التاجر أيوب وابنه غانم وبنته فتنة


حكاية التاجر أيوب وابنه غانم وبنته فتنة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان تاجر من التجار له مال وله ولد كأنه البدر ليلة تمامه فصيح اللسان اسمه غانم بن أيوب المتيم المسلوب. وله أخت اسمها فتنة من فرط حسنها وجمالها فتوفي والدهما وخلف لهما مالاً جزيلاً وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثانية والخمسين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن ذلك التاجر خلف لهما مالاً جزيلاً ومن جملة ذلك مائه حمل من الخز والديباج ونوافج المسك، ومكتوب على الأحمال هذا بقصد بغداد وكان مراده أن يسافر إلى بغداد فلما توفاه الله تعالى ومضت مدة أخذ ولده هذه الأحمال وسافر بها إلى بغداد وكان ذلك في زمن هارون الرشيد وودع أمه وأقاربه وأهل بلدته قبل سيره وخرج متوكلاً على الله تعالى وكتب الله له السلامة، حتى وصل إلى بغداد وكان مسافراً بصحبة جماعة من التجار فاستأجر له داراً حسنة وفرشها بالبسط والوسائد وأرخى عليها الستور وأنزل فيها تلك الأحمال والبغال والجمال، وجلس حتى استراح وسلم عليه تجار بغداد وأكابرها ثم أخذ بقجة فيها عشرة تفاصيل من القماش النفيس مكتوب عليها أثمانها ونزل بها إلى سوق التجار فلاقوه وسلموا عليه وأكرموه وتلقوه بالترحيب وأنزلوه على دكان شيخ السوق وباع التفاصيل، فربح في كل دينار دينارين، ففرح غانم وصار يبيع القماش والتفاصيل شيئاً فشيئاً ولم يزل كذلك سنة وفي أول السنة الثانية جاء إلى ذلك السوق فرأى بابه مقفولاً فسأل عن سبب ذلك فقيل له أنه توفي واحد من التجار وذهب التجار كلهم يمشون في جنازته فهل لك أن تكسب أجراً وتمشي معهم؟ فقال: نعم ثم سأل عن محل الجنازة فدلوه على المحل فتوضأ ثم مشى مع التجار إلى أن وصلوا المصلى وصلوا على الميت ثم مشى التجار جميعهم قدام الجنازة إلى المقبرة فتبعهم غانم إلى أن وصلوا بالجنازة خارج المدينة ومشوا بين المقابر حتى وصلوا إلى المدفن فوجدوا أهل الميت نصبوا على القبر خيمة وأحضر الشموع والقناديل، ثم دفنوا الميت وجلس القراء يقرؤون على ذلك القبر فجلس التجار ومعهم غانم بن أيوب وهو غالب عليه الحياء فقال في نفسه: أنا لم أقدر أن أفارقهم حتى أنصرف معهم ثم إنهم جلسوا يسمعون القرآن إلى وقت العشاء فقدموا لهم العشاء والحلوى، فأكلوا حتى اكتفوا وغسلوا أيديهم ثم جلسوا مكانهم فاشتغل خاطر غانم ببضاعته، وخاف من اللصوص وقال في نفسه: أنا رجل غريب ومنهم بالمال، فإن بت الليلة بعيداً عن منزلي سرق اللصوص ما فيه من المال والأحمال وخاف على متاعه فقام وخرج من بين الجماعة واستأذنهم على أنه يقضي حاجة فسار يمشي ويتتبع آثار الطريق حتى جاء إلى باب المدينة وكان ذلك الوقت نصف الليل فوجد باب المدينة مغلقاً ولم ير أحداً غادياً ولا رائحاً ولم يسمع صوتاً سوى نبيح الكلاب، وعوي الذئاب فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله كنت خائفاً على مالي وجئت من أجله فوجدت الباب مغلقاً فصرت الآن خائفاً على روحي ثم رجع ينظر له محلاً ينام فيه إلى الصباح فوجد تربة محوطة بأربع حيطان، وفيها نخلة ولها باب من الصوان مفتوح، فدخلها وأراد أن ينام فلم يجئه نوم وأخذته رجفة ووحشة وهو بين القبور، فقام واقفاً على قدميه وفتح باب المكان ونظر فرأى نوراً يلوح على بعد في ناحية المدينة فمشى قليلاً فرأى النور مقبلاً في الطريق التي توصل إلى التربة التي هو فيها فخاف غانم على نفسه، وأسرع برد الباب وتعلق حتى طلع فوق النخلة وتدارى في قلبها فصار النور يتقرب من التربة فتأمل النور فرأى ثلاثة عبيد اثنان حاملان صندوقاً في يده فأس وفانوس فلما قربوا من التربة قال أحد العبدين الحاملين الصندوقك ويلك يا صواب فقال العبد الآخر منها مالك يا كافور؟ فقال: إنا كنا هنا وقت العشاء وخلينا الباب مفتوحاً فقال: نعم هذا الكلام صحيح فقال: ها هو مغلق، فقال لهما الثالث وهو حامل الفأس والنور وكان اسمه بخيتاً: ما أعقل عقلكما أما تعرفان أن أصحاب الغيطان يخرجون من بغداد ويترددون هنا فيمسي عليهم المساء فيدخلون هنا ويغلقون عليهم الباب خوفاً من السودان الذين هم مثلنا أن يأخذوهم ويشووهم ويأكلوهم فقالوا له: صدقت وما فينا أقل عقلاً منك، فقال لهم: إنكم لم تصدقوني حتى ندخل التربة ونجد فيها أحداً، وأظن أنه كان فيها أحداً ورأى النور وهرب فوق النخلة. فلما سمع غانم كلام العبيد قال في نفسه: ما أمكر هذا العبد فقبح الله السودان لما فيهم من الخبث واللؤم، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وما الذي يخلصني من هذه الورطة، ثم إن الاثنين الحاملين للصندوق قالا لمن معه الفأس: تعلق على الحائط وافتح الباب لنا يا صواب لأننا تعبنا من الصندوق على رقابنا فإذا فتحت لنا الباب لك علينا واحد من الذين نمسكهم ونقليه لك قلياً جيداً بحيث لا يضيع من دهنه شيء فقال صواب: أنا خائف من شيء تذكرته من قلة عقل وهو أننا نرمي الصندوق وراء الباب لأنه ذخيرتنا فقالا له: إن رميناه ينكسر فاقل: انا جربت أن يكون في داخل التربة الحرامية الذين يقتلون الناس ويسرقون أموالهم لأنهم إذا أمسى عليهم الوقت يدخلون في هذه الأماكن ويقسمون معهم فقال له الاثنان الحاملان للصندوق: يا قليل العقل هل يقدرون أن يدخلوا هذا المكان فحملا الصندوق وتعلقا على الحائط ونزلا وفتحا الباب والعبد الثالث الذي هو خبيث واقف لهما بالنور والمقطف الذي فيه بعض من الجبس. ثم إنهم جلسوا وقفلوا الباب فقال واحد منهم: يا أخوتي نحن تعبنا من المشي والشيل والحط وفتح الباب وقفله وهذا الوقت نصف الليل، ولم يبق فينا قوة لفتح الباب ودفن الصندوق ولكننا نجلس هنا ثلاث ساعات لنستريح ثم نقوم ونقضي حاجتنا ولكن كل واحد منا يحكي سبب تطويشه وجميع ما وقع له من المبتدأ إلى المنتهى لأجل قوات هذه الليلة.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثالثة والخمسون قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العبيد الثلاثة لما قالوا لبعضهم كل واحد يحكي جميع ما وقع له قال الأول وهو الذي كان حامل النور: أنا أحكي لكم حكايتي فقالوا له: تكلم قال لهم: اعلموا يا أخواني أني لما كنت صغيراً جاء بي الجلاب من بلدي وعمري خمس سنين فباعني لواحد جاويش وكان له بنت عمرها ثلاث سنوات فتربيت معها وكانوا يضحكون علي وأنا ألاعب البنت وأرقص معها إلى أن صار عمري اثنتي عشرة سنة وهي بنت عشر سنين ولا يمنعونني عنها إلى أن دخلت عليها يوماً من الأيام وهي جالسة في البيت لأنها كانت معطرة مبخرة ووجهها مثل القمر في ليلة أربعة عشر فلاعبتني ولاعبتها فنفر أحليلي حتى صار مثل المفتاح الكبير.
فدفعتني إلى الأرض فوقعت على ظهري وركبت على صدري وصارت تتمرغ علي فانكشف إحليلي فلما رأته وهو نافر أخذته بيدها وصارت تحك به على أشفار فرجها من فوق لباسها، فهاجت الحرارة عندي وحضنتها فشبكت يديها في عنقي وفرطت علي بجسدها فلم أشعر إلا وإحليلي فتق لباسها ودخل في فرجها وأزال بكارتها، فلما عاينت ذلك هربت عند أصحابي فدخلت عليها أمها فلما رأت حالها غابت عن الدنيا، ثم تداركت أمرها وأخفت حالها عن أبيها وكتمته وصبرت عليها مدة شهرين، كل هذا وهم ينادونني ويلاطفونني حتى أخذوني من المكان الذي كنت فيه ولم يذكروا شيئاً من هذا الأمر لأبيها لأنهم كانوا يحبونني كثيراً.
ثم إن أمها خطبت لها شاباً مزين كان يزين أباها وأمهرتها من عندها وجهزتها كل هذا وأبوها لا يعلم بحالها وصاروا يجتهدون في تحصيل جهازها ثم إنهم أمسكوني على غفلة وخصوني ولما زفوها للعريس جعلوني طواشياً لها أمشي قدامها أينما راحت سواء كان رواحها إلى الحمام أو إلى بيت أبيها وقد ستروا أمرها. وليلة الدخلة ذبحوا على قميصها حمامة ومكثت عندها مدة طويلة وأنا أتملى بحسنها وجمالها على قدر ما أمكنني من تقبيل وعناق إلى أن ماتت هي وزوجها وأمها وأبوها، ثم أخذت بيت المال وصرت هذا المكان وقد ارتفعت بكم وهذا سبب قطع إحليلي والسلام. فقال العبد الثاني: اعلموا يا إخواني اني كنت في ابتداء أمري ابن ثمان سنين ولكن كنت أكذب على الجلابة كل سنة كذبة حتى يقعوا في بعضهم، فقلق مني الجلاب وأنزلني في يد الدلال وأمره أن ينادي من يشتري هذا العبد على عيبه فقيل له: وما عيبه؟ قال: يكذب في كل سنة كذبة واحدة فتقدم رجل تاجر إلى الدلال وقال له: كم أعطوا في هذا العبد من الثمن على عيبه؟ قال: أعطوا ستمائة درهم قال: ولك عشرون فجمع بينه وبين الجلاب وقبض منه الدراهم وأوصلني الدلال إلى منزل ذلك التاجر وأخذ دلالته، فكساني التاجر ما يناسبني ومكثت عنده باقي سنتي إلى أن هلت السنة الجديدة بالخير وكانت سنة مباركة مخصبة بالنبات فصار التجار يعملون العزومات وكل يوم على واحد منهم إلى أن جاءت العزومة على سيدي في بستان خارج البلد فراح هو والتجار وأخذ لهم ما يحتاجون إليه من أكل وغيره فجلسوا يأكلون ويشربون ويتنادمون إلى وقت الظهر فاحتاج سيدي إلى مصلحة من البيت فقال: يا عبد اركب البغلة وروح إلى المنزل وهات من سيدتك الحاجة الفلانية وارجع سريعاً فامتثلت أمره ورحت إلى المنزل وأخبرتهم أن سيدي جلس تحت الحائط لقضاء حاجة فوقع الحائط عليه ومات. فلما سمع أولاده وزوجته ذلك الكلام صرخوا وشقوا ثيابهم ولطموا على وجوههم فأتت إليهم الجيران، وأما زوجة سيدي فإنها قلبت متاع البيت بعضه على بعض وخلعت رفوفه وكسرت طبقاته وشبابيكه وسخمت حيطانه بطين ونيلة وقالت: ويلك يا كافور تعال ساعدني واخرب هذه الدواليب وكسر هذه الأواني والصيني.
فجئت إليها وأخرجت معها رفوف البيت وأتلفت ما عليها ودواليبه وأتلفت ما فيها ودرت على السقوف وعلى كل محل حتى أخرجت الجميع وأنا أصيح واسيداه ثم خرجت سيدتي مكشوفة الوجه بغطاء رأسها لا غير وخرج معها البنات والأولاد وقالوا: يا كافور امش وأرنا مكان سيدك الذي هو ميت فيه تحت الحائط حتى نخرجه من تحت الردم ونحمله في تابوت ونجيء به إلى البيت فنخرجه خرجة مليحة، فمشيت قدامهم وأنا أصيح واسيداه وهم خلفي مكشوفوا الوجوه والرؤوس يصيحون: وامصيبتاه وانكبتاه فلم يبق أحد من الرجال ولا من النساء ولا من الصبيان ولا صبية ولا عجوزة إلا جاءت معنا وصاروا كلهم يلطمون وهم في شدة البكاء فمشيت بهم في المدينة فسأل الناس عن الخبر فأخبروهم بما سمعوا مني فقال الناس: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إننا نمضي للوالي ونخبره، فلما وصلوا إلى الوالي أخبروه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة الرابعة والخمسين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنهم لما وصلوا إلى الوالي وأخبروه قام الوالي وركب وأخذ معه الفعلة بالمساحي والقفف ومشوا تابعين أثري ومعهم كثير من الناس وأنا أبكي وأصيح وأحثو التراب على رأسي وألطم على وجهي فلما دخلت عليهم ورآني سيدي بهت واصفر لونه وقال: ما لك يا كافور وما هذا الحال وما الخبر؟ فقلت له: إنك لما أرسلتني إلى البيت لأجيء لك بالذي طلبته رحت إلى البيت ودخلته فرأيت الحائط التي في القاعة وقعت فانهدمت القاعة كلها على سيدتي وأولادها فقال لي: وهل سيدتك لم تسلم؟ فقال: لا ما سلم منهم أحد وأول من مات منهم سيدتي الكبيرة فقال: وهل سلمت بنتي الصغيرة؟ فقلت: لا فقال لي: وما حال البغلة التي أركبها هل هي سالمة؟ فقلت له: لا يا سيدي فإن حيطان البيت وحيطان الاصطبل انطبقت على جميع ما في البيت حتى على الغنم والإوز والدجاج وصاروا كلهم كوم لحم وصاروا تحت الردم ولم يبق منهم أحد فقال لي: ولا سيدك الكبير؟ فقلت له: لا فلم يسلم منهم أحد، وفي هذه الساعة لم يبق دار ولا سكان ولم يبق من ذلك كله أثر وأما الغنم والإوز والدجاج فإن الجميع أكلها القطط والكلاب. فلما سمع سيدي كلامي صار الضياء في وجهه ظلاماً ولم يقدر أن يتمالك نفسه ولا عقله ولم يقدر أن يقف على قدميه بل جاءه الكساح وانكسر ظهره ومزق أثوابه ونتف لحيته ولطم على وجهه ورمى عمامته من فوق رأسه وما زال يلطم وجهه حتى سال منه الدم وصار يصيح: آه.. وا أولاداه آه وا زوجتاه.. آه وا مصيبتاه من جرى له مثل ما جرى لي فصاح التجار رفقاؤه لصياحه وبكوا معه ورثوا لحاله وشقوا أثوابهم وخرج سيدي من ذلك البستان وهو يلطم من شدة ما جرى له وأكثر اللطم على وجهه وصار كأنه سكران، فبينما الجماعة خارجون من باب البستان وإذا هم نظروا غبرة عظيمة وصياحات بأصوات مزعجة فنظروا إلى تلك الجهة فرأوا الجماعة المقبلين وهم الوالي وجماعته والخلق والعالم الذين يتفرجون وأهل التاجر وراءهم يصرخون ويصيحون وهم في بكاء وحزن زائد فأول من لاقى سيدي زوجته وأولادها فلما رآهم بهت وضحك وقال لهم: ما حالكم أنتم؟ وما حصل في الدار وما جرى لكم؟ فلما رأوه قالوا: الحمد لله على سلامتك أنت ورموا أنفسهم عليه وتعلقت أولاده به وصاحوا: وأبتاه الحمد لله على سلامتك يا أبانا وقالت له زوجته: الحمد لله الذي أرانا وجهك بسلامة وقد اندهشت وطار عقلها لما رأته وقالت له: كيف كانت سلامتك أنت وأصحابك؟ فقال لها: وكيف كان حالكم في الدار؟ فقالوا: نحن طيبون بخير وعافية وما أصاب دارنا شيء من الشر غير أن عبد كافوراً جاء إلينا مكشوف الرأس مزق الأثواب وهو يصيح: وا سيداه واسيداه فقلنا له ما الخبر يا كافور؟ فقال: إن سيدي جلس تحت حائط في البستان ليقضي حاجة فوقعت عليه فمات فقال لهم سيده:والله إنه أتاني في هذه الساعة وهو يصيح: وا سيدتاه وقال أن سيدتي وأولادها ماتوا جميعاً، ثم نظر إلى جانبه فرآني وعمامتي ساقطة في رأسي وأنا أصيح وأبكي بكاء شديداً وأحثو التراب على رأسي فصرخ علي فأقبلت عليه فقال لي: ويلك يا عبد النحس يا ابن الزانية يا ملعون الجنس ما هذه الوقائع التي عملتها ولكن والله لأسلخن جلدك عن لحمك وأقطعن لحمك عن عظمك فقلت: والله ما تقدر أن تعمل معي شيئاً لأنك قد اشتريتني على عيبي وأنت عالم به وهو أني أكذب في كل سنة كذبة واحدة وهذه نصف كذبة فإذا كملت السنة كذبت نصفها الآخر فتبقى كذبة واحدة. فصاح علي: يا ألعن العبيد هل هذا كله نصف كذبة وإنما هو داهية كبيرة، اذهب عني فأنت حر فقلت: والله إن أعتقتني أنت ما أعتقك أنا حتى تكمل السنة وأكذب نصف الكذبة الباقي وبعد أن أتمها فانزل بي السوق وبعني بما اشتريتني به على عيبي ولا تعتقني فإنني ما لي صنعة أقتات منها وهذه المسألة التي ذكرتها لك شرعية ذكرها الفقهاء في باب العتق. فبينما نحن في الكلام وإذا بالخلايق والناس وأهل الحارة نساء ورجالاً قد جاؤوا يعملون العزاء وجاء الوالي وجماعته فراح سيدي والتجار إلى الوالي وأعلموه بالقضية وإن هذه نصف كذبة، فلما سمع الحاضرون ذلك منه استعظموا تلك الكذبة وتعجبوا غاية العجب فلعنوني وشتموني فبقيت واقفاً أضحك وأقول: كيف يقتلني سيدي وقد اشتراني على هذا العيب؟ فلما مضى سيدي إلى البيت وجده خراباً وأنا الذي أخربت معظمه وكسرت فيه شيئاً يساوي كثيراً من المال. فقالت له زوجته: إن كافور هو الذي كسر الأواني الصيني فازداد غيظه وقال: والله ما رأيت عمري ولد زنا مثل هذا العبد ولأنه يقول نصف كذبة فكيف لو كانت كذبة كاملة فحينئذ كان أخرب مدينة أو مدينتن ثم ذهب من شدة غيظه إلى الوالي فضربني علقة شديدة حتى غبت عن الدنيا وغشي علي فأتاني بالمزين في حال غشيتي فخصاني وكواني، فلما أفقت وجدت نفسي خصياً وقال لي سيدي: مثل ما أحرقت قلبي على أعز الشيء عندي أحرقت قلبك على أعز الشيء عندك، ثم أخذني فباعني بأغلى ثمن لأني صرت طواشياً وما زلت ألقى الفتن في الأماكن التي أباع فيها. وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة والخمسون قالت: بلغني أن العبد قال: وما زلت ألقى الفتن في الأماكن التي أباع فيها وانتقل من أمير إلى أمير ومن كبير إلى كبير بالبيع والشراء حتى دخلت قصر أمير المؤمنين وقد انكسرت نفسي وضعفت قوتي وأعدمت خصيتي فلما سمع العبدان كلامه ضحكا عليه وقالا له: إنك خبيث ابن خبيث قد كذبت كذباً شنيعاً. ثم قالوا للعبد الثالث: احك لنا حكايتك قال لهم: يا أولاد عمي كل ما حكي هذا بطال فأنا أحكي لكم سبب قطع خصيتي وقد كنت أستحق أكثر من ذلك لأني كنت نكحت سيدتي وابن سيدتي والحكاية معي طويلة وما هذا وقت حكايتها الآن الصباح يا أولاد عمي قريب وربما يطلع علينا الصباح. ومعنا هذا الصندوق فننفضح بين الناس وتروح أرواحنا فدونكم فتح الباب فإذا فتحناه ودخلنا محلنا قلت لكم على سبب قطع خصيتي ثم تعلق ونزل من الحائط وفتح الباب، فدخلوا وحطوا الشمع وحفروا حفرة على قد الصندوق بين أربعة قبور وصار كافور يحفر وصواب ينقل التراب بالقفف إلى أن حفروا نصف قامة ثم حطوا الصندوق في الحفرة وردوا عليه التراب وخرجوا من التربة وردوا الباب وغابوا عن عين غانم بن أيوب.
فلما خلا لغانم المكان وعلم أنه وحده اشتغل سره بما في الصندوق، وقال في نفسه: يا ترى أي شيء في الصندوق؟ ثم صبر حتى كشف الصندوق وخلصه ثم أخذ حجراً وضرب القفل فكسره وكشف الغطاء ونظر فرأى صبية نائمة مبنجة ونفسها طالع ونازل إلا أنها ذات حسن وجمال وعليها حلي ومساغ من الذهب وقلائد من الجوهر تساوي ملك السلطان ما يفي بثمنها مال فلما رآها غانم بن أيوب عرف أنهم تغامزوا عليها، فلما تحقق ذلك الأمر عالج فيها حتى أخرجها من الصندوق وأرقدها على قفاها فلما استنشقت الأرياح ودخل الهواء في مناخرها عطست ثم شرقت وسعلت فوقع من حلقها قرص بنج لو شمه الفيل لرد من الليل إلى الليل ففتحت عينيها وأدارت طرفها، وقالت بكلام فصيح: ويلك يا ريح ما فيك ري للعطشان، ولا أنس للريان أين زهر البستان فلم يجاوبها أحد فالتفتت وقالت صبيحة شجرة الدرنور، الهدى نجمة الصبح أنت في شهر نزهة حلوة ظريفة تكلموا فلم يجبها أحد، فجالت بطرفها وقالت: ويلي عند إنزالي في القبور يا من يعلم ما في الصدور ويجازي يوم البعث والنشور من جاء بي من بين الستور والخدور ووضعني بين أربعة قبور هذا كله وغانم واقف على قدميه. فقال لها: يا سيدتي لا خدور ولا قصور ولا قبور، ما هذا إلا عبدك غانم بن أيوب ساقه إليك الملك وعلام الغيوب حتى ينجيك من هذه الكروب ويحصل لك غاية المطلوب وسكت فلما تحققت الأمر قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والتفتت إلى غانم وقد وضعت يديها على صدرها وقالت له بكلام عذب: أيها الشاب المبارك من جاء بي إلى هذا المكان فها أنا قد أفقت؟ فقال: يا سيدتي ثلاثة عبيد خصيون أتوا وهم حاملون هذا الصندوق، ثم حكى لها ما جرى وكيف أمسى عليه المساء حتى كان سبب سلامتها وإلا كانت ماتت بغصتها ثم سألها عن حكايتها وخبرها فقالت له: أيها الشاب الحمد لله الذي رماني عند مثلك فقم الآن وحطني في الصندوق واخرج إلى الطريق وأوصلني إلى بيتك، فإذا صرت في دارك يكون خيراً وأحكي لك حكايتي وأخبرك تقصتي ويحصل لك الخير من جهتي ففرح وخرج إلى البرية وقد شعشع النهار وطلعت الشمس بالأنوار وخرجت الناس ومشوا فاكترى رجلاً ببغل وأتى به إلى التربة فحمل الصندوق بعدما حط فيه الصبية، ووقعت محبتها في قلبه وسار بها وهو فرحان لأنها جارية تساوي عشرة آلاف دينار وعليها حلي وحلل يساوي مالاً جزيلاً وما صدق أن يصل إلى داره وأنزل الصندوق وفتحه وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والخمسون قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن غانم بن أيوب وصل إلى داره بالصندوق وفتحه وأخرج الصبية منه ونظرت فرأت هذا المكان محلاً مليحاً مفروشاً بالبسط الملونة والأوان المفرحة وغير ذلك ورأت قماشاً محزوماً وأحمالاً وغير ذلك فعلمت أنه تاجر كبير صاحب أموال، ثم إنها كشفت وجهها ونظرت إليه فإذا هو شاب مليح، فلما رأته أحبته وقالت له: هات لنا شيئاً نأكله، فقال لها غانم: على الرأس والعين، ثم نزل السوق واشترى خروفاً مشوياً وصحن حلاوة وأخذ معه نقلاً وشمعاً وأخذ معه نبيذاً وما يحتاج إليه الأمر من ألة المشموم وأتى إلى البيت ودخل بالحوائج فلما رأته الجارية ضحكت وقبلته واعتنقته وصارت تلاطفه فازدادت عنده المحبة واحتوت على قلبه ثم أكلا وشربا إلى أن أقبل الليل وقد أحب بعضهما بعضاً لأنهما كانا في سن واحد.
فلما أقبل الليل قام المتيم المسلوب غانم بن أيوب وأوقد الشموع والقناديل فأضاء المكان وأحضر آلة المدام ثم نصب الحضرة وجلس هو وإياها. وكان يملأ ويسقيها وهي تملأ وتسقيه وهما يلعبان ويضحكان وينشدان الأشعار وزاد بهما الفرح وتعلقا بحب بعضهما فسبحان مؤلف القلوب، ولم يزالا كذلك إلى قريب الصبح فغلب عليهما النوم فنام كل منهما في موضعه إلى أن أصبح الصباح فقام غانم بن أيوب وخرج إلى السوق، واشترى ما يحتاج إليه من خضرة ولحم وخمر وغيره، وأتى به إلى الدار وجلس هو وإياها يأكلان، فأكلا حتى اكتفيا وبعد ذلك أحضر الشراب وشربا ولعبا مع بعضهما حتى احمرت وجنتاهما واسودت أعينهما واشتاقت نفس غانم بن أيوب إلى تقبيل الجارية والنوم معها فقال لها: يا سيدتي ائذني لي بقبلة في فيك لعلها تبرد نار قلبي؟ فقالت: يا غانم اصبر حتى أسكر وأغيب وأسمح لك سراً بحيث لم أشعر أنك قبلتني ثم إنها قامت على قدميها وخلعت بعض ثيابها وقعدت في قميص رفيع وكوفية فعند ذلك تحركت الشهوة عند غانم وقال: يا سيدتي أما تسمحين لي بما طلبته منك؟ فقالت: والله لا يصح لك ذلك لأنه مكتوب على دكة لباسي قول صعب فانكسر خاطر غانم بن أيوب فأنشدت:
         سألت من أمر ضنى      في قبلة تشفي السقم
         فقـال لا لا أبــدا          قلت له نعم نـعـم
         فقالت خذها بالرضا      من الحلال وابتسـم
         فقلت غصباً قـال لا      ألا على رأس علـم
         فلا تسل عما جـرى      إلا على رأس علـم
         فلا تسل عما جـرى      واستغفر اللـه ونـم
         فظن ما شئت بـنـا        فالحب يحلو بالتهـم
ولا أبالي بعد أن باح يوماً أو كتم ثم زادت محبته وانطلقت النيران في مهجته هذا وهي تتمنع منه وتقول: ما لك وصول إلي ولم يزالا في عشقهما ومنادمتهما وغانم بن أيوب غريق في بحر الهيام وأما هي فإنها قد ازداد قسوة وامتناعاً، إلى أن دخل الليل بالظلام وأرخى عليها ذيل المنام فقام غانم وأشعل القناديل وأوقد الشموع، وزاد بهجة المقام وأخذ رجليها وقبلهما فوجدهما مثل الزبد الطري، فمرغ وجهها عليها وقال: يا سيدتي ارحمي أسير هواك ومن قتلت عيناك كنت سليم القلب لولاك ثم بكى قليلاً فقالت: أنا والله لك عاشقة وبك متعلقة ولكن أنا أعرف أنك لا تصل إلي فقال لها: وما المانع؟ فقالت له: سأحكي لك في هذه الليلة قصتي حتى تقبل عذري ثم إنها ترامت عليه وطوقت على رقبته بيديها وصارت تقبله وتلاطفه ثم وعدته بالوصال ولم يزالا يلعبان ويضحكان حتى تمكن حب بعضهما من بعض ولم يزالا على ذلك الحال وهما في كل ليلة ينامان في فراش واحد وكلما طلب منها الوصال تتعزز عنه مدة شهر كامل وتمكن حب كل واحد منهما من قلب الآخر ولم يبق لهما صبر عن بعضهما إلى أن كانت ليلة من الليالي وهو راقد معها والاثنان سكرانان فمد يده على جسدها وملس ثم مر بيده على بطنها ونزر إلى سرتها فانتبهت وقعدت وتعهدت اللباس فوجدته مربوطاً فنامت ثانياً فملس عليها بيده ونزل بها إلى سراويلها وتكتها وجذبها فانتبهت وقعدت وقعد غانم بجانبها. فقالت له: ما لذي تريد؟ قال: أريد أن أنام معك وأتصافى أنا وأنت فعند ذلك، قالت له: أنا الآن أوضح لك أمري حتى تعرف قدري وينكشف لك عذري قال: نعم فعند ذلك شقت ذيل قميصها ومدت يدها إلى تكة لباسها وقالت: يا سيدي اقرأ الذي على هذا الطرف، فأخذ طرف التكة في يده ونظره فوجده مرقوماً عليه بالذهب أنا لك وأنت لي يا ابن عم النبي فلما قرأه نثر يده وقال لها: اكشفي لي عن خبرك؟ قالت: نعم أنا محظية أمير المؤمنين واسمي قوت القلوب وإن أمير المؤمنين لما رباني في قصره وكبرت نظر إلى صفائي وما أعطاني ربي من الحسن والجمال فأحبني محبة زائدة وأخذني وأسكنني في مقصورة وأمر لي بعشر جوار يخدمنني ثم إنه أعطاني ذلك المصاغ الذي تراه معي ثم إن الخليفة سافر يوماً من الأيام إلى بعض البلاد فجاءت السيدة زبيدة إلى بعض الجواري التي في خدمتي وقالت: إذا نامت قوت القلوب فحطي هذه القلقة البنج في أنفها أو في شرابها ولك علي من المال ما يكفيك.
فقالت لها الجارية: حباً وكرامة، ثم إن الجارية أخذت البنج منها وهي فرحانة لأجل المال ولكونها كانت في الأصل جاريتها فجاءت إلي ووضعت البنج في جوفي فوقعت على الأرض وصارت رأسي عند رجلي ورأيت نفسي في دنيا أخرى ولما تمت حيلتها حطتني في ذلك الصندوق وأحضرت العبيد سراً وأنعمت عليهم وعلى البوابين، وأرسلتني مع العبيد في الليلة التي كنت نائماً فيها فوق النخلة وفعلوا معي ما رأيت، وكانت نجاتي على يديك وأنت أتيت بي إلى هذا المكان وأحسنت إلى غاية الإحسان وهذه قصتي وما أعرف الذي جرى للخليفة في غيبتي فأعرف قدري ولا تشهر أمري فلما سمع غانم بن أيوب كلام قوت القلوب وتحقق أنها محظية الخليفة تأخر إلى ورائه خيفة من هيبة الخليفة وجلس وحده في ناحية من المكان يعاتب نفسه، ويتفكر في أمره وصار متحيراً في عشق التي ليس له إليها الوصول، فبكى من شدة الغرام ولوعة الوجد والهيام وصار يشكو الزمان وما له من العدوان فسبحان من شغل قلوب الكرام بالمحبة ولم يعط الأنذال منها وزن حبة، وأنشد هذين البيتين:
                 قلب المحب على الأحباب متعوب       وعقله مع بديع الحسن منهـوب
                وقائل قال لي ما المحب قلت له         الحب عذب ولكن فيه تـعـذيب
فعند ذلك قامت إليه قوت القلوب واحتضنته وقبلته وتمكن حبه في قلبها وباحت له بسرها وما عندها من المحبة وطوقت على رقبته بيديها وقبلته وهو يتمنع عنها خوفاً من الخليفة، ثم تحدثا ساعة من الزمان وهما غريقان في بحر محبة بعضهما إلى أن طلع النهار فقام غانم ولبس أتوابه وخرج إلى السوق على عادته وأخذ ما يحتاج إليه الأمر وجاء إلى البيت فوجد قوت القلوب تبكي فلما رأته سكتت عن البكاء وتبسمت وقالت له: أوحشتني يا محبوب قلبي، والله إن هذه الساعة التي غبتها عني كسنة فإني لا أقدر على فراقك وها أنا قد بينت لك حالي من شدة ولعي بك فقم الآن ودع ما كان واقض أربك مني قال: أعوذ بالله، إن هذا شيء لا يكون كيف يجلس الكلب في موضع السبع والذي لمولاي يحرم علي أن أقربه ثم جذب نفسه منها وجلس في ناحية وزادت هي محبة بامتناعه عنها ثم جلست إلى جانبه ونادمته ولاعبته فسكرا وهامت بالافتضاح به فغنت منشدة هذه الأبيات:
                  قلب المتيم كـاد أن يتـفـتـت        فإلى متى هذا الصدود إلى متى
                  يا معرضاً عني بغير جـنـاية       فعوائد الغزلان أن تتـلـفـتـا
                  صد وهـجـر زائد وصـبـابة        ما كل هذا الأمر يحمله الفتـى
 فبكى غانم بن أيوب، وبكت هي لبكائه ولم يزالا يشربان إلى الليل، ثم قام غانم وفرش فرشين كل فرش في مكان وحده فقالت له قوت القلوب: لمن هذا الفرش الثاني؟ فقال لها: هذا لي والآخر لك ومن الليلة لا ننام إلا على هذا النمط وكل شيء للسيد حرام على العبد فقالت: يا سيدي دعنا من هذا وكل شيء يجري بقضاء وقدر فأبى فانطلقت النار في قلبها وزاد غرامها فيه وقالت: والله ما ننام إلا سوياً فقال: معاذ الله وغلب عليها ونام وحده إلى الصباح فزاد بها العشق والغرام، واشتد بها الوجد والهيام وأقاما على ذلك ثلاثة أشهر طوال وهي كلما تقرب منه يمتنع عنها ويقول: كل ما هو مخصوص بالسيد حرام على العبد فلما طال بها المطال مع غانم بن أيوب المسلوب وزادت بها الشجون والكروب أنشدت هذه الأبيات:
                 بديع الحسن كما هذا التجنـي         ومن أغراك بالإعراض عني
                 حويت من الرشاقة كل معنى         وحوت من الملاحة كل فـن
                 وأجريت الغرام لكل قـلـب            وكللت السهاد بكل جـفـن
                 وأعرف قلبك الأغصان تجني         فيا غصن الأراك أراك تجني
                 وعهدي بالظبا صيد فمـالـي           أراك تصيد أرباب المـجـن
                 وأعجب ما أحدث عنك أنـي          فتنت وأنت لم تعلـم بـأنـي
                 فلا تسمح بوصلك لي فإنـي          أغار عليك منك فكيف مني
                 ولست بقائل ما دمـت حـياً           بديع الحسن كما هذا التجني
وأقاموا على هذا الحال مدة والخوف يمنعهم عنها فهذا ما كان من أمر المتيم المسلوب غانم بن أيوب، وأما ما كان من أمر زبيدة فإنها في غيبة الخليفة فعلت بقوت القلوب ذلك الأمر، ثم صارت متحيرة تقول في نفسها ما أقول للخليفة إذا جاء وسأل عنها وما يكون جوابي له، فدعت بعجوز كانت عندها وأطلعتها على سرها، وقالت لها: كيف أفعل وقوت القلوب قد فرط فيها الفرط فقالت لها العجوز لما فهمت الحال: اعلمي يا سيدتي أنه قرب مجيء الخليفة ولكن أرسلي إلى النجار وأمريه أن يعمل صورة ميت من خشب ويحفروا له قبراً وتوقد حوله الشموع والقناديل وأمري كل من في القصر أن يلبسوا الأسود وأمري جواريك والخدام إذا علموا أن الخليفة أتى من سفره أن يشيعوا الحزن في الدهليز فإذا دخل وسأل عن الخبر يقول: إن قوت القلوب ماتت ويعظم الله أجرك فيها ومن معزتها عند سيدتنا دفنتها في قصرها فإذا سمع ذلك يبكي ويعز عليه ثم يسهر القراء على قبرها لقراءة الختمان فإن قال في نفسه إن بنت عمي زبيدة من غيرتها سعت في هلاك قوت القلوب أو غلب عليه الهيام فأمر بإخراجها من القبر فلا تفزعي من ذلك ولو حفروا على تلك الصورة التي على هيئة ابن آدم، وأخرجوا وهي مكفنة بالأكفان الفاخرة فإن أراد الخليفة إزالة الأكفان عنها لينظرها فامنعيه أنت من ذلك والأخرى تمنعه وتقول: رؤية عورتها حرام فيصدق حينئذ أنها ماتت ويردها إلى مكانها ويشكرك على فعلك وتخلصين إن شاء الله تعالى من هذه الورطة، فلما سمعت السيدة زبيدة كلامها ورأت أنه صواب خلت عليها وأمرتها أن تفعل ذلك بعدما أعطتها جملة من المال فشرعت العجوز في ذلك الأمر حالاً، وأمرت النجار أن يعمل لها صورة كما ذكرنا وبعد تمام الصورة جاءت بها إلى السيدة زبيدة فكفنتها وأوقدت الشموع والقناديل وفرشت البسط حول القبر، ولبست السواد وأمرت الجواري أن يلبسن السواد واشتهر الأمر في القصر أن قوت القلوب ماتت ثم بعد مدة أقبل الخليفة من غيبته وطلع إلى قصره ولكن ما شغل إلا قوت القلوب فرأى الغلمان والخدام والجواري كلهم لابسين السواد فارتجف فؤاده.
فلما دخل القصر على السيدة زبيدة رآها لابسة السواد فسأل عن ذلك فأخبروه بموت قوت القلوب، فوقع مغشياً عليه فلما أفاق سأل عن قبرها،فقالت له السيدة زبيدة: اعلم يا أمير المؤمنين أنني من معزتها عندي دفنتها في قصري فدخل الخليفة بثياب السفر إلى القصر ليزور قوت القلوب فوجد البسط مفروشة والشموع والقناديل موقودة، فلما رأى ذلك شكرها على فعلها، ثم إنه صار حائراً في أمره لم يزل ما بين مصدق ومكذب فلما غلب عليه الوسواس أمر بحفر القبر وإخراجها منه فلما رأى الكفن وأراد أن يزيله عنها ليراها خاف من الله تعالى فقالت العجوز: ردوها إلى مكانها، ثم إن الخليفة أمر في الحال بإحضار الفقهاء والمقرئين، وقرؤوا الختمات على قبرها وجلس بجانب القبر يبكي إلى أن غشي عليه ولم يزل قاعداً على قبرها شهراً كاملاً فأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة والخمسون قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة دخل الحريم بعد انفضاض الأمراء والوزراء من بين يديه إلى بيوتهم ونام ساعة فجلست عند رأسه جارية وعند رجليه جارية وبعد أن غلب عليه النوم تنبه وفتح عينيه فسمع الجارية التي عند رأسه تقول للتي عند رجليه: ويلك يا خيزران، قالت: لأي شيء يا قضيب؟ قالت لها: إن سيدنا ليس عنده علم بما جرى حتى أنه يسهر على قبر لم يكن فيه إلا خشبة منجرة صنعة النجار، فقالت لها الأخرى: وقوت القلوب أي شيء أصابها؟ فقالت: اعلمي أن السيدة زبيدة أرسلت مع جارية بنجاً وبنجتها فلما تحكم البنج منها وضعتها في صندوق وأرسلتها مع صواب وكافور وأمرتهما أن يرمياها في التربة فقالت خيزران: ويلك يا قضيب هل السيدة قوت القلوب لم تمت؟ فقالت: سلامة شبابها من الموت ولكن أنا سمعت السيدة زبيدة تقول إن قوت القلوب عند شاب تاجر اسمه غانم الدمشقي وأن لها عنده إلى هذا اليوم أربعة أشهر وسيدنا هذا يبكي ويسهر الليالي على قبر لم يكن فيه الميت وصارتا تتحدثان بهذا الحديث والخليفة يسمع كلامهما.
فلما سمع فرغ الجاريتان من الحديث وعرف القضية وأن هذا القبر زور وأن قوت القلوب عند غانم بن أيوب مدة أربعة أشهر غضب غضباً شديداً وقام وأحضر أمراء دولته فعند ذلك أقبل الوزير جعفر البرمكي وقبل الأرض بين يديه، فقال له الخليفة بغيظ: انزل يا جعفر بجماعة واسأل عن بيت غانم بن أيوب واهجموا على داره وائتوني بجاريتي قوت القلوب ولا بد لي أن أعدمه فأجابه جعفر بالسمع والطاعة فعند ذلك نزل جعفر وأتباعه والوالي صحبته ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى دار غانم كان غانم خرج في ذلك الوقت وجاء بقدر لحم واراد أن يمد يده ليأكل منها هو وقوت القلوب فلاحت منه التفاتة فوجد البلاط أحاط بالدار والوزير والوالي والظلمة والمماليك بسيوف مجردة وداروا به كما يدور بالعين السواد فعند ذلك عرفت أن خبرها وصل إلى الخليفة سيدها فأيقنت بالهلاك واصفر لونها وتغيرت محاسنها ثم أنها نظرت إلى غانم وقالت له: يا حبيبي فر بنفسك فقال لها: كيف أعمل وإلى أين أذهب؟ ومالي ورزقي في هذا الدار؟ فقالت له: لا تمكث لئلا تهلك ويذهب مالك، فقال لها: يا حبيبتي ونور عيني: كيف أصنع في الخروج وقد أحاطوا بالدار؟ فقالت له: لا تخف ثم إنها نزعت ما عليه من الثياب وألبسته خلقاناً بالية،وأخذت القدر التي كان فيها اللحم ووضعتها فوق رأسه وحطت فيها بعض خبز وزبدية طعام وقالت له: اخرج بهذه الحيلة ولا عليك مني فأنا أعرف أي شيء في يدي من الخليفة.
فلما سمع غانم كلام قوت القلوب وما أشارت عليه به، خرج من بينهم وهو حامل القدر وستر عليه الستار ونجا من المكايد والأضرار ببركة نيته، فلما وصل الوزير جعفر إلى ناحية الدار ترجل عن حصانه ودخل البيت ونظر إلى قوت القلوب وقد تزينت وتبهرجت وملأت صندوقاً من ذهب ومصاغ وجواهر وتحف مما حمله وغلا ثمنه، فلما دخل عليها جعفر قامت على قدميها وقبلت الأرض بين يديه وقالت له: يا سيدي جرى أنكم بما حكم اله، فلما رأى ذلك جعفر قال لها: والله يا سيدتي إنه ما أوصاني إلا بقبض غانم بن أيوب، فقالت: اعلم أنه حزم تجارات وذهب إلى دمشق ولا علم لي بغير ذلك واريد أن تحفظ لي الصندوق وتحمله إلى قصر أمير المؤمنين فقال:جعفر السمع والطاعة، ثم أخذ الصندوق وأمر بحمله وقوت القلوب معهم إلى دار الخلافة وهي مكرمة معززة وكان هذا بعد أن نهبوا دار غانم، ثم توجهوا إلى الخليفة فحكى له جعفر جميع ما جرى فأمر الخليفة لقوت القلوب بمكان مظلم وأسكنها فيه وألزم بها عجوزاً لقضاء حاجتها لنه ظن أن غانماً فحش بها ثم كتب مكتوباً للأمير محمد بن سليمان الزيني وكان نائباً في دمشق ومضمونه: ساعة وصول المكتوب إلى يديك تقبض على غانم بن أيوب وترسله إلي فلما وصل المرسوم إليه قبله ووضعه على رأسه ونادى في الأسواق من أراد أن ينهب فعليه بدار غانم بن أيوب فجاؤوا إلى الدار فوجدوا أم غانم،وأخته قد صنعتا لهما قبراً وقعدتا عنده تبكيان فقبضوا عليهما ونهبوا الدار ولم يعلما ما الخبر، فلما أحضرهما عند السلطان سألهما عن غانم بن أيوب، فقالتا له: من مدة سنة ما وقفنا له على خبر فردوهما إلى مكانهما، هذا ما كان من أمرهما. وأما ما كان من أمر غانم بن أيوب المتيم المسلوب، قإنه لما سلبت نعمته تحير في أمره وصار يبكي على نفسه حتى انفطر قلبه وسار ولم يزل سائراً إلى آخر النهار وقد ازداد به الجوع وأضر به المشي حتى وصل إلى بلد فدخل المسجد وجلس على برش وأسند ظهره إلى حائط المسجد وارتمى وهو في غاية الجوع والتعب ولم يزل مقيماً هناك إلى الصباح، وقد خفق قلبه من الجوع وركب جلده القمل وصارت رائحته منتنة وتغيرت أحواله، فأتى أهل تلك البلدة يصلون الصبح فوجدوه مطروحاً ضعيفاً من الجوع وعليه آثار النعمة لائحة فلما أقبلوا عليه وجدوه بردان جائعاً، فألبسوه ثوباً عتيقاً قد بليت أكمامه وقالوا له: من اين أنت يا غريب، وما سبب ضعفك؟ ففتح عينيه ونظر إليهم وبكى ولم يرد عليهم جواباً، ثم إن بعضهم عرف شدة جوعه فذهب وجاء له بكرجة عسل ورغيفين فأكل وقعدوا عنده حتى طلعت الشمس، ثم انصرفوا لأشغالهم ولم يزل على هذه الحالة شهراً وهو عندهم وقد تزايد عليه الضعف والمرض فتعطفوا عليه وتشاوروا مع بعضهم في أمره، ثم اتفقوا على أن يوصلوه إلى المارستان الذي ببغداد.
فبينما هم كذلك وإذا بامرأتين سائلتين قد دخلتا عليه وهما أمه وأخته، فلما رآهما أعطاهما الخبز الذي عند رأسه ونامتا عنده تلك الليلة ولم يعرفهما فلما كان ثاني يوم أتاه أهل القرية وأحضروا جملاً وقالوا لصاحبه: احمل هذا الضعيف فوق الجمل فإذا وصلت إلى بغداد فأنزله على باب المارستان لعله يتعافى فيحصل لك الأجر، فقال لهم: السمع والطاعة ثم إنهم أخرجوا غانم بن أيوب من المسجد وحملوه بالبرش الذي هو نائم عليه فوق الجمل وجاءت أمه وأخته يتفرجان عليه من جملة الناس ولم يعلما به ثم نظرتا إليه وتأملتاه وقالتا: إنه يشبه غانماً ابننا فيا ترى هل هو هذا الضعيف أو لا؟ وأما غانم فإنه لم يفق إلا وهو محمول فوق الجمل، فصار يبكي وينوح وأهل القرية ينظرون وأمه وأخته تبكيان عليه ولم يعرفانه ثم سافرت أمه وأخته إلى أن وصلتا إلى بغداد وأما الجمال فإنه لم يزل سائراً به حتى أنزله على باب المارستان وأخذ جمله ورجع فمكث غانم راقداً هناك إلى الصباح.
فلما درجت الناس في الطريق نظروا إليه وقد صار رق الحلال ولم يزل الناس يتفرجون عليه حتى جاء شيخ السوق ومنع الناس عنه، وقال: أنا أكتسب الجنة بهذا المسكين لأنهم متى أدخلوه المارستان قتلوه في يوم واحد ثم أمر صبيانه بحمله إلى بيته وفرش له فرشاً جديداً ووضع له مخدة جديدة وقال لزوجته: اخدميه ينصح فقالت: على الرأس ثم تشمرت وسخنت له ماء وغسلت يديه ورجليه وبدنه والبسته ثوباً من لبس جواريها وسقته قدح شراب ورشت عليه ماء ورد فأفاق وتذكر محبوبته قوت القلوب فزادت به الكروب. هذا ما كان من أمره وأما ما كان من أمر قوت القلوب فإنه لما غضب عليها الخليفة وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والخمسين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قوت القلوب لما غضب عليها الخليفة وأسكنها في مكان مظلم استمرت فيه على هذا الحال ثمانين يوماً، فاتفق أن الخليفة مر يوماً من الأيام على ذلك المكان فسمع قوت القلوب تنشد الأشعار فلما فرغت من إنشادها قالت: يا حبيبي يا غانم ما أحسنك وما أعف نفسك قد أحسنت لمن أساءك وحفظت حرمة من انتهك حرمتك وسترت حريمه، وهو سباك وسبى أهلك ولا بد أن تقف أنت وأمير المؤمنين بين يدي حاكم عادل وتنتصف عليه في يوم يكون القاضي هو الله،والشهود هم الملائكة، فلما سمع الخليفة كلامها وفهم شكواها علم أنها مظلومة فدخل قصره وأرسل الخادم لها فلما حضرت بين يديه أطرقت وهي باكية العين حزينة القلب، فقال: يا قوت القلوب أراك تنظلمين مني وتنسبينني إلى الظلم وتزعمين أني أسأت إلى من أحسن إلي فمن هو الذي حفظ حرمتي وانتهكت حرمته وستر حريمي وسبيت حريمه فقالت له: غانم بن أيوب فإنه لم يقربني بفاحشة وحق نعمتك يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا قوت القلوب تمني علي فأنا أبلغك مرادك: قالت: تمنين عليك محبوبي غانم بن أيوب فلما سمع كلامها قال: أحضره إن شاء الله مكرماً فقالت: يا أمير المؤمنين إن أحضرته أتهبني له؟ فقال: إن أحضرته وهبتك هبة كريم لا يرجع في عظائه فقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أدور عليه لعل الله يجمعني به؟ فقال لها: افعلي ما بدا لك، ففرحت وخرجت ومعها ألف دينار فزارت المشايخ وتصدقت عنه وطلعت ثاني يوم إلى التجار وأعطت عريف السوق دراهم وقالت له: تصدق بها على الغرباء، ثم طلعت ثاني جمعة ومعها ألف دينار ودخلت سوق الصاغة وسوق الجواهرجية وطلبت عريف السوق فحضر فدفعت له ألف دينار وقالت له: تصدق بها على الغرباء فظهر إليها العريف وهو شيخ السوق وقال لها: هل لك أن تذهبي إلى داري وتنظري إلى هذا الشاب الغريب ما أظرفه وما أكمله؟ وكان هو غانم بن أيوب المتيم المسلوب ولكن العريف ليس له به معرفة وكان يظن أنه رجل مسكين مديون سلبت نعمته أو عاشق فارق أحبته، فلما سمعت كلامه خفق قلبها وتعلقت به أحشاؤها.
فقالت له: أرسل معي من يوصلني إلى دارك فأرسل معها صبياً صغيراً، فأوصلها إلى الدار التي فيها الغريب فشكرته على ذلك فلما دخلت تلك الدار وسلمت على زوجة العريف قامت زوجة العريف وقبلت الأرض بين يديها لأنها عرفتها فقالت لها قوت القلوب: أين الضعيف الذي عندكم؟ فبكت وقالت: ها هو يا سيدتي إلا أنه ابن ناس وعليه أثر النعمة فالتفتت إلى الفرش الذي هو راقد عليه وتأملته فرأته كأنه هو بذاته ولكنه قد تغير حاله وزاد نحوله ورق إلى أن صار كالخلال وأنبهم عليها أمره فلم تتحقق أنه هو ولكن أخذتها الشفقة عليه فصارت تبكي وتقول: إن الغرباء مساكين وإن كانوا أمراء في بلادهم ورتبت له الشراب والأدوية، ثم جلست عند رأسه ساعة وركبت وطلعت إلى قصرها وصارت تطلع في كل سوق لأجل التفتيش على غانم ثم أن العريف أتى بأمه وأخته فتنة ودخل بهما على قوت القلوب وقال: يا سيدة المحسنات قد دخل مدينتنا في هذا اليوم امرأة وبنت، وهما من وجوه الناس وعليهما أثر النعمة لائح لكنهما لابستان ثياباً من الشعر وكل واحدة معلقة في رقبتها مخلاة وعيونهما باكية وقلوبهما حزينة، وها أنا أتيت بهما إليك لتأويهما وتصونيهما من ذل السؤال لأنهما لستا أهلاً لسؤال اللئام وإن شاء الله ندخل بسببهما الجنة.
فقالت: والله يا سيدي لقد شوقتني إليهما واين هم؟ فأمرهما بالدخول فعند ذلك دخلت فتنة وأمها على قوت القلوب فلما نظرتهما قوت القلوب وهما ذاتا جمال بكت عليهما، وقالت: والله إنهما أولاد نعمة ويلوح عليهما أثر الغنى، فقال العريف: يا سيدتي إننا نحب الفقراء والمساكين لأجل الثواب وهؤلاء ربما جار عليهم الظلمة وسلبوا نعمتهم وأخربوا ديارهم ثم إن المرأتين بكيتا بكاء شديداً وتفكرتا غانم بن أيوب المتيم المسلوب فزاد نحيبهما فلما بكيتا بكت قوت القلوب لبكائهما ثم إن أمه قالت: نسأل الله أن يجمعنا بمن نريده وهو ولدي غانم بن أيوب، فلما سمعت قوت القلوب هذا الكلام علمت أن هذه المرأة أم معشوقها وأن الأخرى أخته فبكت هي حتى غشي عليها، فلما أفاقت أقبلت عليهما وقالت لهما: لا بأس عليكما فهذا اليوم أو سعادتكما، وآخر شقاوتكما فلا تحزنا وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والخمسين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن قوت القلوب قالت لهما: لا تحزنا، ثم أمرت العريف أن يأخذهما إلى بيته ويخلي زوجته تدخلهما الحمام وتلبسهما ثياباً حسنة وتتوصى بهما وتكرمهما غاية الإكرام وأعطته جملة من المال، وفي ثاني يوم ركبت قوت القلوب وذهبت إلى بيت العريف ودخلت عند زوجته فقامت إليها وقبلت يديها وشكرت إحسانها، ورأت أم غانم وأخته وقد أدخلتهما زوجة العريف الحمام ونزعت ما عليهما من الثياب فظهرت عليهما آثار النعمة فجلست تحادثهما ساعة ثم سألت زوجة العريف عن المريض الذي عندها فقالت: هو بحاله فقالت: قوموا بنا نطل عليه ونعود فقامت هي وزوجة العريف وأم غانم وأخته ودخلن عليه وجلسن عنده. فلما سمعهن غانم بن أيوب المتيم المسلوب يذكرن قوت القلوب وكان قد انتحل جسمه ورق عظمه ردت له روحه ورفع رأسه من فوق المخدة ونادى: يا قوت القلوب فنظرت إليهم وتحققته فعرفته وصاحت بدورها: نعم يا حبيبي فقال لها: اقربي مني فقالت له: لعلك غانم بن أيوب المتيم المسلوب فقال لها: نعم أنا هو فعند ذلك وقعت مغشياً عليها.
فلما سمعت أمه وأخته كلامهما صاحتا بقولهما: وافرحتاه ووقعتا مغشياً عليهما وبعد ذلك استفاقتا فقالت له قوت القلوب: الحمد لله الذي جمع شملنا بك وبأمك وأختك، وتقدمت إليه وحكت له جميع ما جرى لها مع الخليفة وقالت: إني قلت له قد أظهرت لك الحق يا أمير المؤمنين فصدق كلامي ورضي عنك وهو اليوم يتمنى أن يراك، ثم قالت لغانم: إن الخليفة وهبني لك ففرح بذلك غاية الفرح فقالت لهم قوت القلوب: لا تبرحوا حتى أحضر، ثم إنها قامت من وقتها وساعتها وانطلقت إلى قصرها وحملت الصندوق الذي أخذته من داره وأخرجت منه دنانير وأعطت العريف إياها وقالت له: خذ هذه الدنانير واشتر لكل شخص منهم أربع بدلات كوامل من أحسن القماش وعشرين منديلاً وغير ذلك مما يحتاجون إليه ثم إنها دخلت بهما وبغانم الحمام وأمرت بغسلهم وعملت لهم المساليق وماء الخولجان وماء التفاح بعد أن خرجوا من الحمام ولبسوا الثياب وأقامت عندهم ثلاثة أيام وهي تطعمهم لحم الدجاج والمساليق وتسقيهم السكر المكرر وبعد ثلاثة أيام ردت لهم أرواحهم وأدخلتهم الحمام ثانياً وخرجوا وغيرت عليهم الثياب وخلتهم في بيت العريف وذهبت إلى الخليفة وقبلت الأرض بين يديه وأعلمته بالقصة وأنه قد حضر سيدها غانم بن أيوب المتيم المسلوب وأن أمه وأخته قد حضرتا. فلما سمع الخليفة كلام قوت القلوب قال للخدام: علي بغانم، فنزل جعفر إليه وكانت قوت القلوب قد سبقته ودخلت على غانم وقالت له: إن الخليفة قد أرسل إليك ليحضرك بين يديه فعليك بفصاحة اللسان وثبات الجنان وعذوبة الكلام وألبسته حلة فاخرة وأعطته دنانير بكثرة وقالت له: أكثر البذل إلى حاشية الخليفة وأنت داخل عليه وإذا بجعفر أقبل عليه وهو على بغلته فقام غانم وقابله وحياه وقبل الأرض بين يديه وقد ظهر كوكب سعده وارتفع طالع مجده فأخذه جعفر ولم يزالا سائرين حتى دخلا على أمير المؤمنين، فلما حضرا بين يديه نظر إلى الوزراء والأمراء والحجاب والنواب وأرباب الدولة وأصحاب الصولة وكان غانم فصيح اللسان ثابت الجنان رقيق العبارة أنيق الإشارة فأطرق برأسه إلى الأرض، ثم نظر إلى الخليفة وأنشد هذه الأبيات:
                  أفديك من ملك عظـيم الـشـان        متتابع الحسنـات والإحـسـان
                  متوقد العزمات فياض الـنـدى        حدث عن الطوفان والـنـيران
                  لا يلجون بغيره مـن قـيصـر         في ذا المقام وصاحـب الإيوان
                  تضع الملوك على ثرى أعتابـه       عند السلام جواهر الـتـيجـان
                  حتى إذا شخصت له أبصارهـم       خروا لهيبته عـلـى الأذقـان
                  ويفيدهم ذاك المقام مع الرضـا        رتب العلا وجلالة السلـطـان
                  ضاقت بعسكرك الفيافي والفـلا        فاضرب خيامك في ذرى كيوان
                  وأقري الكواكب بالمواكب محسناً      لشريف ذاك العالم الروحانـي
                  وملكت شامخة الصياصي عنوة       من حسن تدبير وثبت جـنـان
                  ونشرت عدلك في البسيطة كلها       حتى استوى القاصي بها والداني
فلما فرغ من شعره طرب الخليفة من محاسن رونقه وأعجبه فصاحة لسانه وعذوبة منطقه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الستين قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن غانم بن أيوب لما أعجب الخليفة فصاحته ونظمه وعذوبة منطقه قال له: ادن مني فدنا منه ثم قال له: اشرح لي قصتك وأطلعني على حقيقة خبرك فقعد وحدث الخليفة بما جرى له من المبتدأ إلى المنتهى، فلما علم الخليفة أنه صادق خلع عليه وقربه إليه وقال: أبري ذمتي فأبرأ ذمته وقال له: يا أمير المؤمنين إن العبد وما ملكت يداه لسيده ففرح الخليفة بذلك ثم أمر أن يفرد له قصر ورتب له من الجوامك والجرايات شيئاً كثيراً فنقل أمه وأخته إليه وسمع الخليفة بأن أخته فتنة في الحسن فخطبها منه وقال له غانم: إنها جاريتك وأنا مملوكك فشكره وأعطاه مائة ألف دينار وأتى بالقاضي والشهود وكتبوا الكتاب ودخل هو وغانم في نهار واحد فدخل الخليفة على فتنة وغانم بن أيوب على قوت القلوب فلما أصبح الصباح أمر الخليفة أن يؤرخ جميع ما جرى لغانم من أوله إلى آخره وأن يدون في السجلات لأجل أن يطلع عليه من يأتي بعده فيتعجب من تصرفات الأقدار ويفوض الأمر إلى خالق الليل والنهار وليس هذا بأعجب من حكاية عمر النعمان وولده ضوء المكان وما جرى لهم من العجائب والغرائب. قال الملك: وما حكايتهم؟

اشهار

Flag Counter
 
- See more at: http://dilo-awra9i.blogspot.com/